بطاعات العباد إلاَّ على تلك الصفة كما يأتي نصُّهم على ذلك وحجتهم فيه .
وثانيها : أن ذلك إنما يجوز فيما تقبيحُ العقل له ( 1 ) ظاهرٌ ظنيٌّ ، أو وهمٌ غَلَطي .
وأما ما عُلِمَ قُبْحُه بضرورة العقل ، فلا يجوز ذلك فيه ، ولا شكَّ أن اختيار الكذب وبعثة الكذابين بالمعجزات على الصدق ، وبعثة الصادقين مرجوحٌ قبيح على كُلِّ تقدير .
أما إن لم يُجوَّزْ في ذلك خير ولا حكمة ، فظاهر .
وأما إن يُجَّوز ( 2 ) فيه شيء من الخير النادر ، فلا شك أن الصدق وبعثة الصادقين أكثر دفعاً للفساد والمفاسد وجلباً للصلاح والمصالح ، وتجويز خلاف ذلك يؤدي إلى أن لا يوثَقَ لله تعالى بكلامٍ ، ولا لأحدٍ من رسله الكرام لا في دينٍ ، ولا في دنيا ، ولا جِدٍّ ، ولا هَزْلٍ ، ولا وعدٍ ، ولا وعيدٍ ، ولا حلالٍ ، ولا حرامٍ ، ولا عهدٍ ، ولا عَقْدٍ ، ولا [ يوجد ] أعظم فساداً مما يؤدي إليه هذا بالضرورة .
ونحن لم نقل بتجويز جهل العقل والعقلاء لمثل هذه الأمور الضروريات الجليات ، وإنما جوَّزنا جهله للحِكم الخفيات ، ولا شك أن المملكة لا يصلُحُ أهلها مع كثرتهم ، واختلاف طبائعهم إلاَّ بأن يكون الملك عزيزاً مهيباً كريماً حليماً تُخافُ وقائعُه ، وتُرجى ( 3 ) صنائعه ، له السطواتُ والبأسُ الشديد ، والجُودُ العام لجميع الرعايا والعبيد ، فهو مرجوٌّ مخوفٌ ودودٌ رؤوفٌ ، فكيف يُنْكَرُ أن يكون لمالك الملوك والممالك ، ورب العوالم من هذا الكمال أعظمه ، ولن يكون كذلك إلا بالوعد والوعيد ، والترغيب والتهديد ، وجهل العبيد لخواتمهم ، وتواضعهم لمكان علمهم بجهلهم وعجزهم .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : فيه .
( 2 ) في ( ش ) : جوز .
( 3 ) في ( ش ) : كما ترجى .