تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
نفسي ، وأُسْمِعُ منْ بِجَنْبِي ، وقد قال زيدُ بن عليٍّ : مَنْ أسمع أُذُنَيْهِ فَلَمْ يُخَافِتْ ( 1 ) . ومذهبُ الهادي عليه السلام أنَّ أقَلَّ الجَهْرِ أنْ يُسْمِعَ الإنسانُ مَنْ بِجَنْبِهِ ، وذلك أيضاً أقل المخافتة ، فمَنْ فَعَلَهُ ، فقد أَخَذَ بالإجماعِ ( 2 ) مِنْ أَهْلِ المذْهبِ وَمَنْ يُوافِقُهمُ على قولهِمْ هذا ؛ لَأنَ القائِل بأنَّ السنَةَ المخافَتَة ، يقول : هذه مخافتةٌ ، والقائل بأنَّ الجَهْرَ السُّنَّةَ ، يقول : هذا جهر . فإنْ قُلْتَ : كيفَ يَصِح عند أهلِ المذهب أن يكونَ المتكلِّم جاهِرَاً مخافِتَاً في حالةٍ واحِدَةٍ . قلت : لأنَّ الجهرَ والمُخافَتَةَ مِنَ الأُمورِ الإضَافِيَّةِ دونَ الحقيقَةِ ، والأمورُ الإضافِيةُ يَجوز فيها ما صورَتُه صورةُ المناقَضَةِ ، وليس في معناه مناقضةٌ ، وذلك مثلُ القَبْلِيَّة والبَعْدِيَّةِ ، فإنَّهما لما لَمْ يكونا مِنَ الأعراضِ الحقيقيَّة جازَ في الشَّيْءِ أنْ يكونَ قَبْلاً وبَعداً بالنظرِ إلى زمانين أو مكانين ، فاليومُ قَبْلُ بالنَّظَرِ إلى غدٍ ، وبَعْدُ بالنظر إلى أمس ، بخلاف السواد والبياض ، فإنَّهما عَرضَان حقيقيَّان ، فلا يجوز في الشَّيْء أن يكونَ أبيض بالنظر إلى أمرٍ ، وأسودَ بالنظر إلى أمرٍ آخر . فإذا عرفتَ هذا ، فاعلم أنَّ الجَهْرَ والإخفات ليسا مِنَ الأمور الحقيقيةِ الثبوتيَّة ، وإنما هما اسمانِ إضافيان ، ونعتان لفظيَّان ، كالصِّغَرِ والكِبَرِ ، والكَثْرَة ، والقِلَّةِ ، فالمتكلِّمُ المُسْمِعُ مَنْ بِجَنْبِهِ جاهرٌ بالنظر إلى منْ لم يُسْمِعْ
هامش
( 1 ) في ( ب ) و ( ش ) : " ما خافت من أسمع أذنيه " . ( 2 ) في ( ش ) : " الإجماع " .