فروى لهم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بناء الإسلام على الشهادتين ( 1 ) أو ما يشبهه ، فكتبوا إلى هارون يذكرون ذلك ، فأرسل إليهم بمتكلم فدسُّوا له من فهمه ( 2 ) قبل وصوله إليهم ، فوجدوه على ما يحذرون ، فسمُّوه قبل وصوله إليهم ، ولهم أمثال هذه الحكاية .
والجواب : عليهم في مثل هذه الأشياء - وإن لم تصح - أن يقال لهم : ما أردتم بذلك ؟ فإن أردتم الاستدلال على أنكم أجدل من المحدثين ، وأحذق بصناعات الجدليين ، فذلك مُسلَّمٌ لكم ، بل مُسلَّمٌ لكم أنكم أجدل من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ، وإن أردتم أنكم أعلم بالله ، وأفضل عند الله ، فغيرُ مسلَّمٍ ، فإنه لا ملازمة بين الحذق بالجدل ، والعلم بالله عز وجل ، فكم من فيلسوف ( 3 ) كافرٍ قديرٍ في علم الجدل ، وصار فيه إماماً للأذكياء ، وكم من وليٍّ لله تعالى قد ارتوى قلبه من اليقين الصِّرف ، وهو غير بصيرٍ بقوانين الجدليين ، وذلك يظهر ( 4 ) بوجهين .
الوجه الأول : أن السائل جهل المقصود بالنبوة ، وظن أن الحكمة في بعثة الرسل هي بيان الأدلة على الله وأسمائه ( 5 ) ، وجدال المخالفين في ذلك ، وإنما بعثوا مبشرين ، ومنذرين ، ومعلمين للشرائع ، بل قد نصَّ
هامش
( 1 ) أخرجه من حديث ابن عمر : البخاري ( 8 ) و ( 4514 ) ، ومسلم ( 16 ) ، والترمذي ( 2609 ) ، والنسائي 4 / 107 - 108 ، ولفظه في البخاري : " بني الإسلام على خمسٍ : شهاده أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحجِّ ، وصوم رمضان " .
( 2 ) في ( د ) : " يفهمه " ، وكتب فوقها : فهمه صح .
( 3 ) تصحفت في ( أ ) إلى : فيلفوس .
( 4 ) في ( ش ) : ظاهر .
( 5 ) " وأسمائه " ساقطة من ( ش ) .