هؤلاء أعطَوا للقضيّة التي طرحها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عطاءً لا يستهان به ، ولكنّ هذا العطاء كان ولا بدّ أن يتناقص بالتدريج وفقاً لمستوى وعي هؤلاء ، على ما سوف أشرح في نهاية الحديث « 1 » .
إذاً ، فهنا لم تكن الاطروحتان متكافئتين من حيث درجة الجهد ، من حيث درجة الطلب ، من حيث درجة الدفع والتحريك : أطروحة تريد منك أن تخرج من بيتك مهاجراً تغزو في سبيل الله ، وأخرى تريد منك أن تبقى في بيتك ، وأن تحافظ على استقلال بيتك في بيتك .
هذا الفرق الكبير بين الدرجتين لهاتين الاطروحتين - بين درجة الجهد التي تفرضها هذه الأطروحة ودرجة الجهد التي تفرضها الأطروحة الأخرى - كان له دورٌ كبيرٌ في طبيعة الموقف الذي سوف نتحدّث عنه في نهاية هذا الحديث « 2 » .
النقطة الثانية : عليٌّ ( عليه السلام ) يواجه إفرازات السقيفة ومعاوية يكرّس جاهليّة الشام :
أ - إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كما كان بصدد تصفية التجزئة السياسيّة المنحرفة التي وقعت في العالم الإسلامي وقتئذٍ ، كان أيضاً يواجه انحرافاً في داخل المجتمع الإسلامي الذي حكمه نتيجةً للظروف السياسيّة التي صبغته . وكان لابدّ له أن يخوض معركةً ضدّ هذا الانحراف الذي كان يعيشه المجتمع العراقي والحجازي والمجتمع الإسلامي بشكلٍ عام ؛ فعليٌّ ( عليه السلام ) كان يواجه معركتين :
1 - معركةً ضدّ التجزئة السياسيّة في جسم الامّة الإسلاميّة .
2 - ومعركةً أخرى ضدّ الانحراف الداخلي في المجتمع الإسلامي ،
هامش
( 1 ) راجع في هذه المحاضرة : النقطة الرابعة : الاختلاف بين الدعويين على مستوى الوعي والحس . كما راجع تحت عنوان : سريان الشكّ وتعمّقه في مجتمع الإمام عليّ ( عليه السلام ) .
( 2 ) تحت عنوان : سريان الشكّ وتعمّقه في مجتمع الإمام عليّ ( عليه السلام ) .