عليٌّ في بناء دولته ؛ لأنّ أيّ دولة عقائديّة - كما قلنا في ما سبق « 1 » - هي بحاجة إلى طليعة عقائديّة تستشعر بشكلٍ واعٍ ومعمَّق ومرسَّخ أهدافَ تلك الدولة ، وواقع أهميّتها ، وضرورتها التاريخيّة .
ولهذا كان لا بدّ من الحفاظ على صفاء وطُهر عمليّة التربية لبناء هذا الجيش العقائدي ، كان لا بدّ لآلافٍ من [ أمثال ] مالك الأشتر أن يشهدوا إنساناً لا تزعزعه المغريات ، ولا يتنازل إلى أيّ نوعٍ من أنواع المساومات ؛ حتّى يستطيعوا - من خلال حياة هذا الرجل العظيم - أن يتبيّنوا المدلول الرسالي الكامل لُاطروحته ، [ وللأبعاد الواسعة ] « 2 » للصيغة الإسلاميّة للحياة .
إذاً ، فكان على عليٍّ ( عليه الصلاة والسلام ) - لأجل ممارسة عمليّة التربية في بناء هذا الجيش العقائدي - أن يترفّع عن هذه المساومات والحلول الوسط ؛ لكي يستطيع أن يخلق ذلك الجوّ الرفيع نفسيّاً وفكريّاً وروحيّاً ، الذي سوف ينشأ في داخله وفي أعماقه جيلٌ يستطيع أن يحتضن أهداف أمير المؤمنين ويضحّي في سبيلها ، ويواكب هذه الأهداف في حياته وبعد وفاته .
النقطة الثانية : استلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الحكم حال ارتفاع عواطف الامّة :
وثانياً : لا بدّ من الالتفات أيضاً إلى أنّ أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) جاء في أعقاب ثورةٍ ، لم يجئ في حالة اعتياديّة ، وإنّما جاء في أعقاب ثورة . ومعنى أنّه جاء في أعقاب ثورةٍ : أنّ البقيّة الباقية من العواطف الإسلاميّة قد تفجّرت في لحظة ارتفاع .
هذه العواطف - كلّ هذه العواطف - تجمّعت ، ثمّ ضُغِطَت ، ثمّ انفجرت في لحظة ارتفاع . وماذا ينتظر القائد الرسالي غير لحظة ارتفاع في حياة امّة
هامش
( 1 ) في مطلع الحديث عن النقطة الأولى .
( 2 ) ما بين عضادتين ساقطٌ من المحاضرة الصوتيّة ، وفي ( ف ) : « لُاطروحة الأبعاد الواسعة » ، وفي ( غ ) : « ولأبعادها الواسعة » ، ولعلَّ الأنسب ما أثبتناه .