المنحرفة ، دخلوا في صراعٍ معها يحملون بأيديهم مشعلَ تلك النظريّة الإسلاميّة للحياة الاجتماعيّة بكلّ بهائها ونورها وجمالها وكمالها ، ولم يكونوا يستهدفون من هذا أن يعيدوا خطَّ التجربة ؛ لأنّ المؤسف - وهذا ما سوف نتحدّث عنه في يومٍ آخر ، في يومٍ عن أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) « 1 » - أنّ خطّ التجربة لم يكن بالإمكان أن يعود مرّة أخرى إلى الاستقامة بعد أن انحرف ، لم يكن الصراع السياسي يستهدف في المقام أن يعيد التجربة إلى خطّها المستقيم وعلى المدى الطويل الطويل « 2 » ، لم يكن هذا هو الهدف الآني للصراع السياسي ، وإنّما كان الهدف الآني للصراع السياسي هو أن يُسمعوا المسلمين ، يُسمعوا الشعوبَ الجديدة ، ويُوعّوا الشعوب الأخرى التي كانت ، يوعّوها على النظريّة الحقيقيّة للإسلام عن الحياة ، عن المجتمع ، عن الدولة ، عن الاقتصاد ، عن السياسة ، عن الاخوّة ، عن التعامل والتعاضد . . . ما هو مفهوم الإسلام في كلّ هذه المجالات يجب أن يبيَّن للناس ، يجب أن توضع هذه النظريّة في ذهن الناس .
صحيح أنّ هذه النظريّة كانت موجودةً في القرآن ، وكانت موجودةً في
هامش
( 1 ) راجع على وجه الخصوص المحاضرات : السادسة والسابعة والثامنة .
( 2 ) وذلك في المدى المنظور وفي ظلّ القيادة غير المعصومة ؛ بقرينة تعبيره ( قدّس سرّه ) ب - « الهدف الآني » ، ولهذا يأتي منه بعد قليل : « أنّ عود التجربة الإسلاميّة إلى الخطّ المستقيم على المدى البعيد البعيد لم يكن بالإمكان أصلًا » ، كما يأتي في المحاضرة الثامنة أنّ « أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حينما تولّى الحكم لم يكن يستهدف من تولّي الحكم تحصين التجربة أو الدولة بقدر ما كان يستهدف تقديم المثل الأعلى للإسلام ؛ لأنّه كان يعرف أنّ التناقضات في الامّة الإسلاميّة بلغت إلى درجةٍ لا يمكن معها أن ينجح عمل إصلاحي إزاء هذا الانحراف » . ولا يقصد ( قدّس سرّه ) المدى غير المنظور ؛ ف - « الحدُّ على المدى الطويل يجب أن يعالج عن طريق التوعية على الخطّ الطويل » كما تقدّم في هذه المحاضرة . وسيأتي أيضاً في المحاضرة السادسة أنّ « الأمر الأوّل الذي كان الأئمّة يمارسونه في حياتهم هو محاولة القضاء على الانحراف الموجود في تجربة المجتمع الإسلامي ، وإرجاع التجربة إلى وضعها الطبيعي ؛ وذلك بإعدادٍ طويلِ المدى » ، وأنّ الظروف الموضوعيّة « تجعل في قدرة الإمام المعصوم أن يحاول إعادة التجربة الإسلاميّة إلى وضعها الطبيعي ووضعها الصحيح » . كما سيأتي في المحاضرة السابعة أنّه : « لا بدّ من العمل لتسلّم زمام هذه التجربة » ، فلاحظ .