أدلة الحجية / الكتاب
وأهم أدلتهم من الكتاب هذه الآيات : الأولى قوله تعالى :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
« 1 » ، وقد قرب دلالتها على مذهب الجمهور صاحب سلّم الوصول بقوله : « ان اللّه تعالى جمع بين مشاقة الرسول صلّى اللّه عليه وآله واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال : نوله ما تولى ونصله جهنم فيلزم ان يكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما مثل مشاقة [ الصفحة 246 ] الرسول ، لأنه لو لم يكن محرما لما جمع في الوعيد بينه وبين المحرم الّذي هو مشاقة الرسول عليه الصّلاة والسّلام ، فإنه لا يحسن الجمع بين حلال وحرام في الوعيد ، وإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم ، إذ لا واسطة بينهما ، ويلزم من اتباع سبيلهم ان يكون الإجماع حجة لأن سبيل الشخص هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد » « 2 » .
ويرد على هذا التقريب :
أ - إن ظهور تعدد الشرط مع وحدة الجزاء اشتراكهما في علة التحريم ، ولازمه ان اتباع غير سبيل المؤمنين من دون مشاقة للرسول لا يدل على الحرمة فلا يتم المطلوب ، وقد استظهر الغزالي ما يقرب من هذا المعنى من مساق الآية ، وبعّد لذلك دلالتها على الإجماع ، يقول : « والظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه ، نوله ما تولى ، فكأنه لم يكتف بترك المشاقة ، حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى ، وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم » « 3 » .
ب - وفي عقيدتي أن الآية لا يمكن أن تحمل على إرادة الإجماع منها لما فيها من كلمة نوله ما تولى إذ لا معنى للقول : بأن من يتبع غير ما أجمعوا عليه من الأحكام نجعل ما اتبعه من الحكم غير المجمع عليه واليا عليه يوم القيامة ، وأي معنى لمثل هذا النوع من الكلام ؟ والظاهر أن مضمون الآية :
أن من يشاقق الرسول ويخالف المؤمنين في اتباعه ، ويتبع غيره من رؤساء الأديان والنحل الأخرى ، نوله ما تولى ، أي أننا نربط [ الصفحة 247 ] مصيره يوم القيامة بمصير من تولاه ، فيكون مساقها أشبه
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية 110 .
( 2 ) سلم الوصول ، ص 272 والظاهر أن هذا التقريب لصاحب السؤال وإن لم يقوسه كما يوحي إرجاعه في الهامش إليه .
( 3 ) أصول الفقه للخضري : من ص 279 نقلا عنه .