لا تقصد به صغائر لا توجد عند العقل قبح بعددها ، ولا يثبت استحقاق العقاب في مقابلها ، ووجوب المقدّمة - على ما مضى - لا يستوجب تنجيزاً ولا عقاباً ؛ فإنّ دليل اشتراط الإصرار ندّعي ظهوره في إرادة تعدّد المعصية بشكل يوجب تعدّد القبح العقليّ والعقاب .
وأمّا ثانياً : فلو سلّم تعميم عنوان الإصرار لذلك ، فهو حالة نفسانيّة ملازمة لتعدّد المخالفة ، ولا يثبت انتفاؤه باستصحاب عدم الوجوب ، وذلك بناءً على أنّ موضوع الحكم هو الإصرار على الذنب بنحو التقييد ، لا الإصرار على الشيء ، وكون ذلك الشيء ذنباً بنحو التركيب ، وإلّا فالإصرار هنا متحقّق بتعدّد ما تركه ، وكون ذلك ذنباً منفيّ باستصحاب العدم ، فيثبت بذلك انتفاء الموضوع ، والظاهر هو التقييد ؛ فإنّ الظاهر : أنّه إنّما اخذ الإصرار على الذنب موضوعاً لحكم الفسق بما هو إصرار في مقابل المولى .
وقد تذكر كبرى ثالثة للانتهاء إلى أثر عمليّ ، وهي كبرى : براءة ذمّة الناذر لو نذر أن يأتي بواجب ، فبناءً على وجوب المقدّمة تفرغ ذمّته بمجرّد الإتيان بها ، بخلاف ما لو بنينا على عدم وجوبها ، فيجري استصحاب عدم وجوب المقدّمة .
وهذا المطلب أيضاً مربوط بنكتة ، وهي تحقيق : أنّ وجوب الوفاء بالنذر هل موضوعه عنوان الوفاء بالنذر ، أو العنوان الذي وقع عليه النذر ، والتزم به الناذر كصلاة ركعتين مثلًا ، وإنّما اخذ عنوان الوفاء بالنذر في الدليل طريقاً ومشيراً إلى ذلك العمل ؟
فعلى الأوّل يكون الاستصحاب مثبتاً ؛ إذ لا ينفي عنوان الوفاء إلّابالملازمة العقليّة ؛ لأنّ عنوان الوفاء لازم عقليّ لوجوب المقدّمة ، وعلى الثاني لا بأس بإجراء الاستصحاب ، فإنّ الحكم الشرعيّ عبارة عن وجوب الإتيان بشيء مشروطاً بأن يكون ذلك الشيء فرداً من الواجبات ، فإذا نفينا هذا الشرط بالاستصحاب ، لم ينطبق
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 549
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٤٩