ويمكن النقاش في هذا الحلّ بأن يقال : إنّ ظاهر دليل القضاء بعد فرضه واجباً مستقلّاً أنّه وجوب واقعيّ ، كما هو الحال في ما هو الظاهر من كلّ أمر من الأوامر ، من قبيل : ( صلِّ ) و ( صم ) وغير ذلك ؛ إذ المفروض : أنّه ليس بقاءً للأمر الأوّل حتّى يقال : إنّه يتبعه في الواقعيّة والظاهريّة ، من قبيل : ( الميسور لا يسقط بالمعسور ) الذي يتبع فيه حكم الميسور في الواقعيّة والظاهريّة ، وفي الوجوب والاستحباب حكم المعسور ، وإذا كان وجوب القضاء وجوباً واقعيّاً ، قلنا : هل موضوع هذا الوجوب خصوص فوت الواجب الواقعيّ ، أو موضوعه فوت الصلاة الواجبة سواء كانت واجبة بالوجوب الواقعيّ ، أو الظاهريّ ؟
فإن فرض الأوّل قلنا : لا سبيل إلى إثبات فوت الواقع ولو جرى الاستصحاب وتنجّز في أثناء الوقت ؛ لأنّ استصحاب عدم الإتيان لا يثبت الفوت والخسارة إلّا بالملازمة العقليّة ، إذن فلا يجب القضاء حتّى على من جرى في حقّه الاستصحاب في أثناء الوقت وتنجّز ، وهذا ما قلنا : إنّه لا يظنّ بفقيه أن يقول به .
وإن فرض الثاني لزم من ذلك : أنّ من جرى في حقّه استصحاب عدم الإتيان في الأثناء وتنجّز عليه ، ثُمّ ترك إلى أن فات الوقت ، كان القضاء واجباً واقعيّاً عليه ، بحيث حتّى لو كان في علم اللَّه قد صلّى في الوقت يجب عليه القضاء ، فلو تذكّر صدفة بعد انتهاء الوقت أنّه قد صلّى ، فمع ذلك يجب عليه القضاء ، وهذا أيضاً ممّا لا يظنّ بفقيه أن يلتزم به .
إلّا أنّ الصحيح : أنّ هذا النقاش يمكن حلّه بأن يقال : إنّ دليل القضاء حيث إنّه يكون بلسان التدارك ، فلا ينبغي قياسه بالأوامر الابتدائيّة الصرف ، ولا يبعد استظهار كونه تبعاً للشيء المتدارك ، فإن كان المتدارك واجباً فهذا واجب ، وإن كان مستحبّاً فهذا مستحبّ ، وإن كان واقعيّاً فهذا واقعيّ ، وإن كان ظاهريّاً فهذا ظاهريّ ، كلّ هذا بنكتة ظهور الأمر بالقضاء في كونه تداركيّاً ، وإذا كان الأمر
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 335
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٣٥