والحاصل : أنّ في سريان الطبيعة إلى تمام أفرادها نظريّتين :
1 - إنّ الطبيعة بذاتها لو خلّيت ونفسها لا تقتضي السريان ولا عدمه ، وإنّما السريان من شؤون الإطلاق اللحاظيّ ، أيّ : رفض القيود ، وعدم السريان من شؤون لحاظ التقييد .
2 - إنّ الطبيعة بذاتها تقتضي السريان ما لم يمنع مانع ، والمانع لحاظ القيد .
وفرق النظريّتين : أنّ المقتضي للسريان في الأولى أمر خارج عن الطبيعة ، وهو الإطلاق اللحاظيّ ، وفي الثانية ذات الطبيعة ما لم تقترن بمانع ، وهو لحاظ القيد .
والفرق العمليّ بينهما يظهر في الطبيعة المهملة التي لم يلحظ معها القيد ولا رُفض معها القيد ، فإن قلنا : إنّ الطبيعة بذاتها لا تقتضي السريان ، فالطبيعة المهملة في قوّة المقيّدة ، وإن قلنا : إنّها بذاتها تقتضي السريان - كما هو الصحيح - فالطبيعة المهملة في قوّة المطلقة ؛ لأنّ المقتضي للسريان موجود وهو ذات الطبيعة ، والمانع مفقود وهو لحاظ القيد .
وقد ظهر : أنّه لا يرد إشكال التردّد ، لا في عالم الوجود الذهنيّ وبلحاظ عالم عروض الحكم ؛ فإنّه متعيّن في وجود الأمر بذات الطبيعة لا مطلقة ولا مقيّدة ، ولا في عالم الانطباق والسريان ؛ لأنّ الطبيعة المهملة إن كانت في قوّة المطلقة يسري إلى تمام الأفراد ، وإلّا لم يسرِ إلّابمقدار المقيّد ، وهذا يختلف باختلاف النظريّتين في باب المطلق والمقيّد .
والسرّ في ذلك كلّه هو حمل الإهمال في كلام المحقّق النائينيّ رحمه الله على الإهمال اللحاظيّ ، بمعنى عدم لحاظ التقييد ولا رفضه ، لا على الفرد المردّد ، وأمّا لو حمل على الفرد المردّد ، فهذا الإهمال لا يزول بضمّ الأمر الثاني ؛ فإنّ الأمر الثاني إنّما يكمّل مهمّة الكشف عن الغرض ، لا أنّه يجعل متعلّق الجعل الأوّل متعيّن الحدود ، فإنّ الواقع لا ينقلب عمّا وقع عليه ، مع أنّه - دامت بركاته - يسلّم أنّه لو فرض
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 189
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٨٩