حتّى ترد الإشكالات السابقة ، وإنّما التصرّف في مدلول جملة « زيد صائغ » الدالّة على الجري والهوهويّة ، وأنّ المحمول عين الموضوع ، فنقول : إنّه بقرينة كون الصياغة حرفةً وصناعةً يكون مدلول الجملة هو الهوهويّة والجري الشأنيّ لا الفعليّ ، أي : هذا هو ذاك شأناً لا فعلًا ، فالتصرّف إنّما هو في مدلول الجملة بقرينة قضيّة خارجيّة ، وهي وجود أشخاص جالسين في دكاكينهم مثلًا بعنوان : أنّ حرفتهم الصياغة مع عدم الانشغال فعلًا بالصياغة .
ويمكن الإشكال على ذلك بأنّ الوجدان قاضٍ بأنّ كلمة « صائغ » في نفسها حينما نلحظها بما هي مدلول كلمة أفراديّة نرى أنّ مفهومها أوسع من مفهوم « ضارب » ، وليس المتبادر منه ( بلا فرض جملة ) هو خصوص المتلبّس بالفعل ، بل أعمّ من ذلك ، فالوجدان حاكم بأنّ السعة المدّعاة إنّما هي بلحاظ نفس المشتقّ ، بينما هذا الوجه يفرض أنّها بلحاظ الجملة .
الوجه الخامس : أن يكون التصرّف في أمر خارجيّ ، فالعرف باعتبار تكرّر الصياغة منه يُعمل عناية ارتكازية بحيث يرى كأنّ الصياغة مستمرّة منه ، والفترات المتخلّلة تلغى بالنظر العرفيّ ، فهذا إعمال عناية في أمر خارجي ، أي : في حال هذا الرجل ، فكأ نّه يُرى أنّه يصوغ دائماً ويحرّك يديه بالصياغة دائماً ، فبعد إعمال هذه العناية ينطبق عليه صائغ بلا تصّرف في المادّة ، أو الهيئة ، أو مدلول الجملة .
وهذا أيضاً يمكن للأعمّيّ أن يبطله ؛ إذ لو صحّت هذه العناية العرفيّة الارتكازيّة ، إذن لصدق عرفاً أن نقول حينما يكون زيد الصائغ مشغولًا بالصلاة مثلًا : إنّ زيداً متلبّس بالصياغة فعلًا ، بينما لا نقول كذلك ، فإذا بطلت كلّ هذه الوجوه تعيّن الوجه الأوّل ، وهو الوضع للأعمّ .
هذا أحسن ما يمكن أن يقال في تقريب التفصيل .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 454
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٥٤