بين المتلبّس بالفعل والمنقضي عنه المبدأ . ولابدّ لصاحب هذا القول من أن يلتزم بأحد جامعين على ما مضى : فإمّا أن يقول بأنّ الجامع هو ذات مقيّدة بالفعل الماضي ، فالقائم معناه من قام ، وإمّا أن يقول بأنّ الجامع هو ذات غير متلبّسة فعلًا بالعدم الأزليّ للمبدأ .
أمّا الثاني فقد عرفت عدم عرفيّته ، فإنّ الوجدان حاكم بأ نّه لا يفهم من مثل : ضارب أو قائم إلّامعنىً ثبوتيّ صرف ، ولا ينتقل الذهن بنحو التفصيل ولا بنحو الإجمال إلى نفي العدم ، بل يفهم منه رأساً المعنى الثبوتيّ ، وليس هذا جامعاً عرفيّاً يقع تحت نظر الواضع أوّلًا وتحت نظر المستعمل والسامع ثانياً . وأمّا الأوّل فلازم أخذ الفعل الماضي في مفهوم المشتقّ هو : أن يشترط في كون استعمال المشتقّ حقيقيّاً أن يكون المبدأ ثابتاً للمشتقّ فيما مضى ولو آناً ما ؛ إذ لو كان المبدأ ثابتاً في الحال فقط ، لم يكن ذلك مفاد الفعل الماضي ، وإنّما هو مفاد الفعل المضارع ، بينما من الواضح وجداناً كفاية التلبّس الحاليّ ، بل يلزم من ذلك في المبادئ الآنيّة كالضرب ، أي : الضربة الواحدة كون المشتقّ حقيقة في خصوص المنقضي عنه المبدأ دون المتلبّس ؛ لأنّ التلبّس في الآن الحاضر لا يكفي لكونه معنى المضارع لا الماضي ، وقد اخذ الفعل الماضي ركناً في مفهوم المشتقّ ، والتلبّس فيما قبل الآن الحاضر قد انقضى ؛ لأنّ المبدأ كان آنيّاً ، فوجود لوازم فاسدة عرفاً من هذا القبيل يكفي لكونه برهاناً عرفيّاً على عدم صحّة القول بكون المشتقّ موضوعاً للأعمّ ، وتعيّن القول بكونه موضوعاً لخصوص المتلبّس ، إذن فتحليل نفس المدّعى كافٍ لإبطاله من دون حاجة إلى الدخول في الوجوه التي تذكر للمُدَّعَيات « 1 » ، إلّاأ نّنا مع ذلك نمرّ بوجوه بعض الأقوال إجمالًا فنقول :
هامش
( 1 ) لا يخفى : أنّ إبطاله رحمه الله لدعوى وضع المشتقّ للأعمّ بتحليل نفس المدّعى بالنحو الذي ذكره مبتنٍ على مبناه من أنّ الجامع الصحيح العرفيّ منحصر في مفاد الفعل الماضي . -
أمّا لو بنينا على ما مضى من فرض وجود جامع التحقّق في مقابل الترقّب ، فهذا جامع يثبت فيما انقضى عنه المبدأ ، ويثبت أيضاً في المتلبّس بالحال ولو كان مبدؤه آنيّاً ، أو كان تلبّسه في الحال فحسب ، أي : الماضي ، فهذا البيان لا يتمّ .
ويؤيّد فرض وجود جامع حقيقيّ بين المنقضي عنه المبدأ والمتلبّس من أوّل آنات تلبّسه - سواء أمكننا التعبير عن ذاك الجامع بما ذكرناه من عنوان تحقّق المبدأ أو خاننا التعبير عنه - هو ما نُحسّ به وجداناً وعرفاً من أنّ زيداً الذي ضرب سابقاً مع من هو ضارب بالفعل ولم يكن ضارباً سابقاً بينهما شبهٌ ، أو سنخيّة ، أو تماثل مفقود في من لم يضرب حتّى الآن ، كما أنّ بينهما وبين من سيضرب مستقبلًا أيضاً شبه وتماثل مفقود في من لم يضرب ولن يضرب ، فبناءً على أنّ الشبه والتماثل يكشف عن الجامع الحقيقيّ يثبت هنا وجود الجامع بين المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ ، كما يثبت وجود جامع آخر أوسع بينهما وبين من سيتلبّس بالمبدأ