الوجه الرابع : أن يقصد اطّراد الاستعمال بلا قرينة ، فحينما رأينا أنّ العرب استعملوا لفظة « أسد » في الحيوان المفترس كثيراً بلا قرينة ، مع التأكّد من عدم القرينة ، كان هذا علامة الحقيقة ؛ فإنّه في الاستعمال الواحد بلا قرينة يحتمل أنّ غرضه كان متعلّقاً بالإجمال ، فلا يكون دليلًا على الحقيقة ، والاستعمال أعمّ من الحقيقة ، ولكن لو تكرّر ذلك بحيث كان ديدناً وطريقة لأبناء المحاورة فاحتمال تعلّق غرضهم صدفة في كلّ هذه الموارد بالإجمال جميعاً منفيّ عقلائيّاً بحساب الاحتمالات ، فيتعيّن كون هذا الاستعمال المطّرد على أساس الوضع . وهذا فرقه عن الوجه الثاني : أنّه في الوجه الثاني تجعل كثرة الاستعمال دليلًا على عدم القرينة في بعض موارده ، ويستدلّ بعدم القرينة على الوضع ، وأمّا في هذا الوجه ، فيفرض العلم أوّلًا بعدم القرينة ، ثُمّ تجعل كثرة الاستعمال بلا قرينة دليلًا على أنّ هذا ليس على أساس تقصّد الإجمال ، بل على أساس الوضع . وظاهر كلام السيّد الأستاذ - دامت بركاته - وإن كان لعلّه هو ذاك الوجه ، بل هو صريح عبارة المحاضرات ، ولكن يحتمل كون مقصوده هو هذا الوجه ، كما لو فرضنا كثرة الاستعمال بنحو يستبعد في عدد منه القرينة ، وكان ذلك العدد بمقدار يستبعد الإجمال في مجموعه ، فيرجع إلى هذا الوجه .
وعلى أيّ حال ، فالصحيح في تفسير الاطّراد بنحو تتمّ علاميّته ، ويكون علامة مستقلّة هو هذا الوجه . أمّا الوجه الأوّل ، فقد عرفت أنّه لا يجعل الاطّراد علامة برأسه . وأمّا الوجه الثاني والثالث ، فقد عرفت عدم صحّتهما .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 278
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٧٨