فليس يدور أمره بين الملاكين ، بل قد يستعمل بلا وضع ولا قرينة عند تعلّق الغرض بالإبهام والإجمال ، فالاطّراد في الاستعمال غاية ما يكشف عنه أنّه وجد استعمال في المعنى بلا قرينة ، وهذا ينسجم مع المجاز أيضاً . نعم ، بالاطّراد في التبادر الذي هو الوجه الأوّل يمكننا أن نثبّت أنّ الانفهام كان بالوضع .
الوجه الثالث : ما أشير إليه في الكفاية ، من كون المقصود اطّراد الحيثيّة المصحّحة للاستعمال ، بمعنى : أنّه إذا اطلق لفظ على فرد ، وكان إطلاقه عليه بلحاظ وجدان ذلك الفرد لحيثيّة ، فإن كانت تلك الحيثيّة مصحّحة للإطلاق دائماً وفي أيّ فرد توجد ، فالإطلاق حقيقيّ : وإلّا فمجازيّ ، فمثلًا الحيثيّة المصحّحة لإطلاق لفظة « أسد » على هذا الفرد من أفراد الأسد هي كونه حيواناً مفترساً ، وهذه الحيثيّة المصحّحة مطّردة ، أي : أنّه في أيّ فرد وجدت صحّ إطلاق لفظة « أسد » عليه ، فهذا علامة الحقيقة ، وأمّا الحيثيّة المصحّحة لإطلاق لفظة « أسد » على الرجل الشجاع فهي المشابهة للحيوان المفترس ، وهذه الحيثيّة غير مطّردة ؛ فإنّه ليس متى ما وجدت المشابهة للحيوان المفترس صحّ إطلاق لفظة « أسد » على الواجد لها ، ففي ما يشابهه في الرائحة مثلًا نرى أنّه لا يصحّ الإطلاق ، فيعرف أنّ استعمال كلمة « أسد » في الرجل الشجاع مجاز .
وهذا يرد عليه ما ذكره في الكفاية ، من أنّ الحيثيّة المصحّحة مطّرده دائماً حتّى في المجاز ، والحيثيّة هنا ليست مطلق المشابهة ، بل المشابهة في أبرز الصفات ، وهذه مطّردة « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع الكفاية ، ج 1 ، ص 29 بحسب طبعة المشكينيّ . وليست عبارته واضحة في عدم قبول هذه العلامة ، فراجع