التحقيق : أنّهما لا يصحّحان التبعيّة :
أمّا الوجه الأوّل ، فلأنّ غايته : أنّ لفظ « الإنسان » مثلًا يدلّ على مفهوم الإرادة ولو صدر عن نائم ، ودلالة اللفظ على مفهوم لا تتوقّف على وجود ذاك المفهوم .
هذا إذا اخذ مفهوم الإرادة قيداً في المعنى الموضوع له . وأمّا لو كان المأخوذ قيداً فيه هو الوجود الخارجيّ للإرادة ، فقد عرفت أنّ هذا غير معقول ، إلّابالرجوع إلى مسلك التعهّد .
على أنّنا لو تصوّرنا ذلك ، أي : الانتقال من تصور اللفظ إلى واقع الإرادة ، فهذا لا يجعل دلالة اللفظ متوقّفة على الإرادة ، بحيث لابدّ من إحراز الإرادة من الخارج ؛ لكي تثبت دلالة اللفظ ، بل تكون دلالة اللفظ نفسها بمعنى كون تصوّر اللفظ منشأً للتصديق بوجود الإرادة ، فإحراز وجود الإرادة يكون ببركة الدلالة الوضعيّة ، لا أنّ إثبات الدلالة الوضعيّة فرع إحراز وجود الإرادة .
وأمّا الوجه الثاني ، وهو قياس الإرادة بمثل التنوين بأن يقال : كما يمكن فرض اللفظ لدى عدم دخول التنوين عليه مهملًا ، كذلك يمكن فرض كونه لدى عدم الإرادة مهملًا ، أي : أنّ اللفظ المقيّد بالإرادة هو الموضوع للمعنى ، فهذا أيضاً غير معقول ؛ لأنّه : إن كان المقصود جعل الإرادة الخارجيّة بوجودها الخارجيّ قيداً في الدلالة ، بحيث تكون دخيلة في الانتقال إلى صورة المعنى ، فهذا غير معقول ؛ لأنّ الإرادة بوجودها الخارجيّ في نفس المتكلّم لا يعقل أن تكون مؤثّرة في تصوير السامع للمعنى ، وإن كان المقصود جعل التصديق بالإرادة الخارجيّة قيداً في اللفظ ، بحيث يكون الانتقال إلى صورة المعنى مسبّباً لتصوّر اللفظ المنضمّ إلى التصديق بالإرادة الخارجيّة ، فهذا أيضاً غير معقول ؛ لأنّ الانتقال من شيء إلى شيء فرع الملازمة ، والملازمة إذا كانت بلحاظ الاقتران المتكرّر بين الوجودين ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 254
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٥٤