إلّا أنّ هذا ليس إشكالًا مستقلّاً حقيقيّاً ؛ فإنّه لا برهان على عدم كون وضعها بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ ، حتّى يكون ذلك إشكالًا واقعيّاً ، وإنّما هو إشكال جدليّ مثلًا .
والمهمّ ما عرفته من أنّه خلاف الوجدان إثباتاً .
والثالث : أخذ واقع الإرادة ووجودها الخارجيّ القائم في نفس المتكلّم .
وتحقيق الحال في ذلك : أنّنا إن بنينا على مسلك التعهّد ، فبحسب الحقيقة تكون الإرادة هي تمام المدلول الوضعيّ للّفظ لا قيده ، فعلى مسلك التعهّد يصحّ هذا الفرض مع تحويل القيديّة إلى كون الإرادة تمام المدلول ، وهذا يرجع في الحقيقة إلى البحث عن كون الدلالة الوضعيّة تصديقيّة ، وقد عرفت أنّه على مبنى التعهّد تكون الدلالة تصديقيّة وكاشفة عن واقع الإرادة في نفس المتكلّم .
وأمّا بناءً على ما هو المختار من أنّ الوضع عبارة عن القرن وإيجاد الملازمة - ولو عن طريق الاعتبار ، بمعنى جعل الاعتبار مقدّمة إعداديّة لذلك - فأخذ واقع الإرادة أمر غير معقول ، ووجهه ما بيّنّاه سابقاً . وحاصله : أنّ الانتقال من شيء إلى شيء فرع الملازمة بينهما ، فإن كانت الملازمة بين وجودين خارجيّين كالنار والحرارة ، كان الانتقال تصديقيّاً ، وإن كانت الملازمة بين التصوّرين كان الانتقال تصوّريّاً ، ولا تعقل الملازمة بين تصوّر ووجود ، بل الملازمة : إمّا في عالم الخارج ، فتكون بين الوجودين ، ويكون الانتقال تصديقيّاً ، أو في عالم الذهن ، فتكون بين التصوّرين ، وحينئذٍ إن كانت الملازمة في المقام بين وجود اللفظ ووجود الإرادة ، رجع إلى التعهّد ، وهو خلف ، وإن كانت بين تصوّر اللفظ ووجود الإرادة ، قلنا : إنّ الملازمة بين التصوّر والوجود غير معقولة ، ولذا قلنا فيما سبق : إنّ تقييد اللفظ أو المعنى إنّما يعقل بالقيود التصوّريّة .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 256
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٥٦