التحقّق ؛ لتجرّده عن الأدوات .
هذا ، وقد يمكن تأويل كلام المحقّق العراقيّ رحمه الله حيث ذهب إلى أنّ « هل » تدلّ على النسبة بين مفاد الجملة والاستفهام بأن يكون مقصوده هو ما قلناه من أنّ مفاد الجملة وهو النسبة التصادقيّة لوحظ بلحاظ وعاء الاستفهام ، لا أن يقصد بالاستفهام معنىً اسميّ وقع طرفاً للنسبة مع مفاد الجملة ، إلّاأنّ تعبيره رحمه الله قاصر عن إفادة المقصود .
فإن قلت : لماذا تقسّم الجمل الإنشائيّة إلى قسمين ، فبعضها يختلف عن الإخبار في عالم التصديق فقط ، وبعضها يختلف عن الإخبار في عالم التصوّر بلحاظ الوعاء ، فلتكن كلّ الجمل الإنشائيّة مختلفة عن الإخبار بلحاظ الوعاء ، حتّى ما يكون مشتركاً بين الإخبار والإنشاء ، من قبيل « أنتِ طالق » ، أو « المصلّي يعيد صلاته » ، فتكون النسبة التصادقيّة في « أنتِ طالق » الإنشائيّة بلحاظ وعاء الاعتبار ، وفي « أنتِ طالق » الإخباريّة بلحاظ وعاء التحقّق ؟
قلت : الصحيح : وجود فرق ثبوتيّ وإثباتيّ بين القسمين :
أمّا الفرق الثبوتيّ فهو : أنّ وعاء الاعتبار في « أنتِ طالق » ، ووعاء الطلب في « المصلّي يعيد » ليس في عرض وعاء التحقّق على حدّ عرضيّة وعاء الاستفهام لوعاء التحقّق . أمّا وعاء الاعتبار ، فلأنّ الاعتبار في أمثال « أنتِ طالق » إنّما يتعلّق بالنسبة التصادقيّة التحقّقيّة ، بمعنى : أنّ المعتبر مفهوماً هو النسبة في الخارج « 1 » .
هامش
( 1 ) لا يخفى : أنّ مثل هذا البيان يمكن ذكره في القسم الآخر من الإنشاء أيضاً الذيليست ضمن صيغة مشتركة بين الإنشاء والإخبار ، وذلك بأن يقال : إنّ « هل زيد قائم ؟ » استفهام عن النسبة التصادقيّة في وعاء التحقّق ، فهو لا يستفهم عن النسبة التصادقيّة -
بلحاظ وعاء الاستفهام ، ولا عن النسبة التصادقيّة بلحاظ وعاء الترجّي مثلًا ، ولا عن ذات الموضوع أو المحمول ، وإنّما يستفهم عن النسبة التصادقيّة بين الموضوع والمحمول بلحاظ وعاء التحقّق ، فإنّها هي المشكوكة لديه ، والنسبة التصادقيّة ليست لها حصص أو أوعية مختلفة ، بل وعاؤها دائماً عبارة عن وعاء التحقّق ، فتارة يحكى عنها ، وأخرى يسأل عنها ، أو تتمنّى ، أو تترجّى مثلًا .
وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه : أنّ خير ما يمكن أن يقال في الإنشاءات غير المشتركة مع الإخبار في الصيغة : إنّ حرف الإنشاء من قبيل : « هل » أو « ليت » أو « لعلّ » مفاده نسبة استفهاميّة ، أو نسبة التمنّي ، أو الترجّي مثلًا بين النسبة الموجودة في المدخول وبين الشخص المستفهم ، أو المتمنّي ، أو المترجّي ، وهي نسبة تامّة ؛ لأنّ موطنها الذهن ، فإنّها نسبته متقوّمة بطرفين : أحدهما ذهنيّ بحت ، وهي النسبة الموجودة في المدخول ، والآخر نفس المستفهم ، أو المتمنّي ، أو المترجّي الثابتة في ذهنه بالوجود الحضوريّ .
هذا في مثل الاستفهام ، وأمّا في مثل الأمر ، فأفضل ما يمكن أن يقال في المقام ما قلناه في تعليق سابق عن المحقّق الإصفهانيّ رحمه الله من وجود نسبة تامّة بعثيّة ثلاثيّة الأطراف بين الأمر والمأمور والفعل ، وكذلك في النهي نقول : إنّه توجد نسبة زجريّة تامّة ذات ثلاثة أطراف . ففرّق بين الصيغ الإنشائيّة غير المشتركة مع الإخبار التي يكون فرقها عن الإخبار بمجرّد دخول أداة عليها كأداة الاستفهام أو التمنّي ، أو غير ذلك ، فتلك الأداة تدلّ فيها على نسبة جديدة ، وتكون نسبة المدخول طرفاً من طرفيها ، وبين الصيغ الإنشائيّة التي يكون فرقها عن الإخبار في الهيئة ، كالأمر والنهي ، فلا توجد فيها نسبتان تامّتان ، بل توجد فيها نسبة تامّة واحدة ذات أطراف ثلاثة .
هذا ، والذي اخترناه هنا من كون صيغة الأمر أو النهي دالّة على نسبة تامّة بعثيّة أو زجريّة ثلاثيّة الأطراف أولى من الاحتمالات الآتية ، وهي ما يلي :
1 - أن يختار ما أفاده استاذنا الشهيد رحمه الله فيما سيأتي - إن شاء اللَّه - في صيغة الأمر ،