والنسبة الاختصاصيّة ونحو ذلك ، والتحصّص إنّما ينقسم إلى أقسام باعتباره في طول هذه النسب ، فهناك تحصّص وضيق ناشئ من طرفيّة الشيء للنسبة الظرفيّة ، وهناك تحصّص وضيق ناشئ من طرفيّة الشيء للنسبة الاستعلائيّة . . . وما إلى ذلك .
وبعد هذه المقدّمة نقول : ما هو المقصود بقولكم : إنّ الحرف وضع لواقع الضيق ؟
فإن كان المقصود هو كون الحرف موضوعاً لما هو منشأ الضيق وملاكه وهو النسبة ، فهذا تعبير مسامحيّ عن نفس ما ذكرناه ، ويطابق قول المشهور ، وليس أمراً جديداً ، وإن كان المقصود هو كون الحرف موضوعاً لنفس واقع الضيق والتحصّص ، فهذا مطلب جديد ، ولكنّه يرد عليه :
أوّلًا : أنّكقد عرفتأنّهلا يعقلفرض التحصيص والضيق إلّا بلحاظ فرض النسبة ، فهل يُدّعى أنّ الحرف يدلّ على النسبة أيضاً ؟ أو يقال : إنّه يدلّ على الضيق فقط ؟
فإن قيل : إنّه يدلّ على الضيق فقط ، قلنا : لا يوجد هناك دالّ آخر يدلّ على النسبة والضيق ، وتحصيص المفهوم بمفهوم آخر يستحيل أن يأتي بذاته ، بل يجب أن يتحقّق بواسطة النسبة . وإن قيل : إنّه يدلّ على النسبة أيضاً قلنا : دلالته على النسبة تكفي ، ويكون وضعه للضيق لغواً ؛ وذلك لأنّ النسبة بذاتها توجد الضيق قهراً ، فالضرب الواجد للنسبة الظرفيّة إلى الدار مثلًا يستحيل قهراً انطباقه على الضرب في السوق ، أو أيّ ضرب آخر بلا حاجة إلى فرض وضع الحرف للضيق .
وثانياً : أنّ هناك حروفاً لا يوجد في موردها ضيق للمفهوم بواسطتها ، فماذا يصنع السيّد الأستاذ - دامت بركاته - بمثل تلك الحروف ؟ ! وهذا شاهد لما قلناه من أنّ الحرف ليس موضوعاً للضيق ، وإنّما هو موضوع للنسبة . وسنوضّح أنّ بعض الحروف والنسب لا تضيّق ولا تحصّص ، فمنها الحرف المتمحّض في العطف ، كقولنا : جاء الإنسان والحيوان ، فأيّ تحصيص ورد على الإنسان من هذا العطف ؟ !
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 156
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٥٦