أنّ الآليّة والاستقلاليّة قيد للوضع فالأمر أحسن ؛ لعدم تصرّف في الموضوع له ، فهذا استعمال مجازيّ جائز أيضاً ؛ فإنّه في المجازات المتعارفة يستعمل اللفظ في معنىً مباين للمعنى الموضوع له ، ويقال بجواز ذلك . وفيما نحن فيه يستعمل اللفظ في نفس المعنى الموضوع له مع مخالفة قيد الوضع ، ولئن جاز استعمال اللفظ في المباين فكيف لا يجوز استعماله في نفس المعنى مع رفض القيد ؟ !
أقول : إنّنا لو مشينا حسب مسالك القوم ، كان هذا الإشكال أيضاً قابلًا للردّ ؛ وذلك لأنّ المعنى المجازيّ إنّما يصحّ في طول وجود معنى حقيقيّ للّفظ بالوضع ، فالواضع ينشئ وضع اللفظ لمعنىً ثُمّ تتمّ له الدلالة على معنىً آخر مجازيّ بالعلاقة والشبه والذوق ؛ فكلمة « أسد » إنّما تدلّ على الرجل الشجاع ؛ لأنّها موضوعة للحيوان المفترس ، فلو فرض نسخ هذا الوضع مثلًا لم تبقَ لها دلالة على الرجل الشجاع ، والمدّعى للمحقّق الخراسانيّ رحمه الله في المقام هو : أنّ وضع « مِن » مقيّدٌ باللحاظ الآليّ ، أي : أنّ دائرة الوضع مضيّقة ، فالواضع إنّما وضع لفظة « من » للابتداء حينما يلحظ آليّاً ، فلو لوحظ استقلاليّاً لم يكن هناك وضع أصلًا ، من قبيل أن يفرض أنّ الواضع إنّما جعل لفظة أسد دالّةً على الحيوان المفترس في الليل ، ففي النهار لا تدلّ على ذلك ، إذن فحينما يلحظ المعنى استقلاليّاً لا تبقى لكلمة « من » دلالة ووضع حتّى يصحّ استعمالها مجازاً .
الإشكال الثالث : ما ذكره السيّد الأستاذ - دامت بركاته - في تعليقته من أنّه لو كان امتياز المعنى الحرفيّ عن المعنى الاسميّ إنّما هو باللحاظ الآليّ والاستقلاليّ والفناء وعدم الفناء ، إذن لكانت الأسماء حينما تقع في قضايا ناظرة إلى الخارج حروفاً ، فمثلًا حينما يقال : « النار محرقة » يكون مفهوم النار معنىً حرفيّاً ؛ لأنّه لوحظ آليّاً وفانياً في واقع النار ، فإنّ مفهوم النار الموجود في الذهن حينما يلحظ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 128
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٢٨