تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
روى ابن النجّار في « ذيله » بسنده إلى أبي النّصر المفضّل بن علي الأزدي كاتب المقتدر ومؤدّبه أنه حضر مجلس أبي الحسن بن الفرات ، وعن يمينه أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح ، وعن يساره القاضي أبو عمر محمّد بن يوسف ، وقد تأخّر حامد بن العبّاس عن الحضور ، فقال الوزير : أتعلمون السبب في تأخّر حامد ؟ فقالوا : لا . قال : ولكنني أعلم سبب ذلك ؛ انصرف البارحة مساء ، وداره بعيدة ، فأبطأ على جاريته ، فلمّا وصل استقبلته وقبّلت جبينه وقالت : يا مولاي ، أقلقتني بتأخّرك ، فما الذي بطّأ بك ؟ فقال : موافقة الوزير - أعزّه اللّه - على الحساب . فقالت : يا مولاي ، حساب في الدنيا وحساب في الآخرة ، حمل اللّه عنك . ثم نزعت خفّيه ، وقدّمت نعليه ، وأفرغت عليه دست ثياب قد بخّرتها ، وأخذت ثيابه عنه ، وقدّمت إليه الطّهور . فلما صلّى المغرب وعشاء الآخرة قدّمت إليه طبقا تولّت لغيبته ألوانه ، وقد وقفت مع الطبّاخة تحرّيا لنظافتها ، وأخذت تلقمه وتأكل منه ، ثم تولّت غسل يديه ، وقدّمت إليه الشراب ، وأصلحت عودها ، فشرب ثلاثة أرطال ، وشربت مثلها ، واغتبقا . فلما أصبح دخل الحمّام ، وخرج ، فسقته من الجلّاب بالثلج ما قطع خماره ، وقدّمت إليه طبقا من المحمّضات ألوانا طيبة ، وهو الآن يأكل . ثم قال : غسل يده ، ولبس ثيابه . ثم قال : ركب وتوجّه إلينا . ثم لم يزل ينزّله الطريق ، إلى أن قال : هو في الدهليز . ثم قال : يدخل حامد . فرفع الستر ، ودخل حامد . فلما رأيناه ، ما تمالكنا أن ضحكنا . فلما سلّم وأخذ موضع جلوسه ، قال : ما الذي أضحككم عند مشاهدتي ؟ قلنا : صحة حدس سيدنا الوزير ، فإن شئت اقتصصناه . فقال : تفضّلوا . فاقتصصنا ما جرى بأسره ، فتحيّر ، ثم قام على قدميه ، وحلف باللّه - جلّت أسماؤه - لولا أنه يعلم أن الوزير أعفّ خلق اللّه لقدّرت « 1 » أنها هي حدّثته ما جرى ؛ فما أخلّ بشيء منه . فضحك الجماعة ، فالتفت الوزير إلى علي بن عيسى ،
هامش
( 1 ) في استخدام ضمير المتكلم هنا التفات ؛ وكان المتوقّع قوله : لقدّر .