عنقه . ثم أتى أم البنين وهي تمتشط في بيتها ، وقد وصف له الخادم ذلك الصندوق فجاء فجلس / عليه وقال لها : يا أم البنين ما أحبّ إليك هذا البيت من بين بيوتك ، فلم تختارينه ؟ قالت : أختاره لأنه يجمع حوائجي كلها فأتناولها منه من قرب على ما أريد . فقال لها : هبي لي صندوقا من هذه الصناديق ، فقالت : كلّها لك يا أمير المؤمنين ، فقال : ما أريد كلها ، إنما أريد واحدا منها ، فقالت : خذ أيّها شئت ، قال : هذا الذي جلست عليه ، قالت : غيره خذ فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها ، قال : ما أريد غيره ، قالت : خذه فدعا بالخدم وأمرهم بحمله حتى انتهى به إلى مجلسه ، وحفر بئرا عميقة في المجلس إلى الماء تحت بساطه ووضع الصندوق على شفير البئر ودنا منه وقال : يا صاحب الصندوق إنه بلغنا شيء فإن كان حقا فقد كفيناك ودفنّاك ودفنّا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر ، وإن كان باطلا فإنما دفنّا الخشب وما أهون ذلك ، ثم قذف به في البئر وهيل عليه التراب وسوّيت الأرض وردّ البساط وجلس عليه الوليد ، وما رأى الوليد ولا أم البنين في وجه واحد منهما أثرا حتى فرّق الدهر بينهما .
قال البلاذري : أم البنين صاحبة وضّاح اليمن ليست ببنت عبد العزيز بن مروان ، وإنما هي أم البنين بنت المحرم من حمير من أهل اليمن ، وكانت جميلة عشقها وضّاح وعشقته فتزوّجها وخرج بها إلى مكة وطلّقها ، فحجّ الوليد وهي بمكة فبلغه حسنها وجمالها فتزوّجها وخرج بها إلى الشام ، وخرج وضّاح خلفها ففعل به الوليد ما فعل .
قلت : أنا في حيرة من أمر أم البنين وما جرى لها مع وضّاح . إن قلنا إنها بنت عبد العزيز فنحاشيها من ذلك لأنها كانت من العفائف العابدات ، وقد قيل إنها كانت توجد في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت يوما مكبوبة على وجهها ميّتة . / وهذا لا يصحّ أيضا فإنها توفيت سنة سبع عشرة ومائة ، والوليد توفي سنة تسع وستين ، وكان أبوه قد زوّجه إيّاها في حال حياته .
الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 119
مساهمون: خليل الصفدي
ص١١٩