قال القاضي شمس الدين أحمد بن خلّكان رحمه اللّه تعالى : وكنت مرة رأيت في المنام سنة ثمان وأربعين وستمائة وأنا يومئذ بالقاهرة كأنّني قد خرجت إلى قليوب ودخلت إلى مشهد بها فوجدته شعثا ، وهو عمارة قديمة ، ورأيت به ثلاثة أشخاص مقيمين مجاورين ، فسألتهم عن المشهد وأنا متعجب لاتقان بنيانه وتشييده : ترى هذه عمارة من ؟ فقالوا : لا نعلم ، ثم قال أحدهم : إن الشيخ أبا علي الفارسي جاور في هذا المشهد سنين عديدة ، وتفاوضنا حديثه فقال : وله مع فضائله شعر حسن ، فقلت : ما وقفت له على شعر ، فقال : أنا أنشد له من شعره ، ثم أنشد بصوت رقيق ثلاثة أبيات ، فاستيقظت في أثر الإنشاد ولذّة صوته في أذني وعلق على خاطري منها هذا البيت الأخير وهو : [ من البسيط ]
الناس في الخير لا يرضون عن أحد * فكيف ظنك سيموا الشرّ أو ساموا
وأبو عليّ أخذ النحو عن جماعة من أعيان هذا الشأن كأبي إسحاق الزجاج وأبي بكر السرّاج وأبي بكر مبرمان وأبي بكر الخياط وبرع له غلمان حذّاق قرءوا عليه مثل عثمان بن جنّي وعليّ بن عيسى الرّبعي وقال أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحويّ في كتاب شرح الجمل للزجاجي في باب التصريف منه : يحكى عن أبي علي الفارسي أنه حضر يوما مجلس أبي بكر الخياط فأقبل أصحابه على أبي بكر يكثرون عليه المسائل وهو يجيبهم ويقيم الدلائل فلما أنفذوا أقبل على أكبرهم سنا وأكثرهم عقلا وأوسعهم علما عند نفسه فقال له : كيف تبني من سفرجل مثل عنكبوت فأجابه مسرعا سفرروت فحين سمعها قام من مجلسه وصفق بيديه وخرج وهو يقول : سفرروت سفرروت سفرروت فأقبل أبو بكر على أصحابه وقال : لا بارك اللّه فيكم ولا أحسن جزاكم ، خجلا مما جرى واستحيى من أبي علي . ومما يشهد بصفاء ذهن أبي علي أنه سئل قبل أن ينظر في العروض خرم متفاعلن فتفكّر وانتزع الجواب فيه من النحو فقال لا يجوز لأنّ متفاعلن ينقل إلى مستفعلن