وعاد إلى بلاد الجزيرة ولازم ابن البزري إلى أن توفّي في أوائل سنة ستين وخمس مائة ثم عاد إلى بغداذ ، وكان فقيها فاضلا حسن الكلام في المناظرة أديبا مليح الشعر لطيفا ظريفا ، سمع الحديث من أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي القاسم عبد الرحمن بن طاهر بن سعيد الميهني « 1 » وغيرهما وحدّث باليسير ، سمع منه القاضي أبو المحاسن عمر بن علي بن الخضر القرشي ، من شعره :
عذيري من زمن كلّما * شددت عرى أملي حلّها
عرائس فكري قد عنست * لأنّي عدمت لها أهلها
ونفسي تنهل من مورد * ترى الموت في الورد إن علّها
عليها من الدهر أثقاله * ولا يغلط الدهر يوما لها
ومنه قوله :
سلام على وادي الغضا « 2 » ما تناوحت * على ضفّتيه شمأل وجنوب
أحمّل أنفاس الخزامى تحيّة * إذا آن منها بالعشيّ هبوب
لعمري لئن شطّت بنا غربة النوى * وحالت صروف دوننا وخطوب
فما كلّ رمل جئته رمل عالج * وما كلّ ماء عمت فيه سروب
رعى اللّه هذا الدهر كلّ محاسني * لديه ، وإن أكثرتهنّ ، ذنوب
قلت : شعر منسجم عذب . ولما كان بواسط طاب وعظه لجماعة فسألوه أن يجلس لهم الأسبوع مرّتين فكان كلّما عيّن لهم يوما يحتجّون بأن القرّاء يكونون فيه يوما في ختمة ديوان الخلافة ويوما في ختمة ديوان الإمارة ويوما عند ابن الغزنوي ويوما عند غيره إلى أن ذكروا الأيام كلّها فأطرق ثم قال :
لو عرفت هذا كنت أتيتكم معي بيوم من بغداذ ، وتوفّي سنة إحدى وثمانين وخمس مائة ودفن بالشونيزية .
هامش
( 1 ) وميهنة قرية بخراسان .
( 2 ) الغضا واد بنجد ( معجم البلدان ) .