هو ومحمد بن علي بن عيسى بن ماهان فوثبا على جسر دجلة وقطعاه وركزا أعلامهما وخلعا الأمين ودعوا للمأمون ، فأصبح طاهر وقد ألحّ بالقتال على أصحاب الأمين وقاتل بنفسه ودخل بالسيف قسرا ونادى : من دخل بيته فهو آمن ، ثم أحاط بمدينة المنصور وبقصر زبيدة وقصر الخلد فخرج محمد بأهله وامّه من القصر إلى مدينة المنصور وتفرّق عامّة جنده وغلمانه وقلّ عليهم القوت والماء ، ثم إنّه خرج ليلة في حرّاقة لما قوي الحصار يوم الخميس والجمعة والسبت وطلب هزيمة فلما سمع بذلك طاهر خرج إليه ورماه بالنشاب فانكفأت الحراقة وغرق الأمين ومن كان فيها فسبح حتى صار إلى بستان موسى فعرفه محمد بن حميد الظاهري فصاح بأصحابه وأخذ برجله وحمل على برذون وخلفه من يمسكه كالأسير وحمل إلى طاهر فدعا طاهر بمولاه قريش الدّنداني فأمره بقتله ونصب رأسه على حائط بستان ونودي عليه : هذا رأس المخلوع محمد ، ثم بعث به مع البرد والقضيب والمصلّى - وهو من سعف مبطّن - مع ابن عمّه محمد بن مصعب إلى المأمون وقال له : قد بعثت لك بالدنيا وهو رأس الأمين وبالآخرة وهي البرد والقضيب ، فأمر المأمون لمحمد بن مصعب بألف ألف درهم ولما رأى رأس الأمين سجد ، وكان قتله سنة تسع وتسعين ومائة وخلافته أربع سنين وأياما ، وكان الأمين بويع بالخلافة في عسكر أبيه بطوس صبيحة الليلة التي توفي فيها أبوه وذلك يوم السبت لأربع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة أو اثنتين وعشرين وكان المأمون يومئذ بمرو ، واستوزر الفضل بن الربيع وولّى إسماعيل بن صبيح الرسائل والتوقيعات وعيسى بن علي بن ماهان الشرطة وقيل عبد اللّه بن حازم ، وأول ما بدأ به الأمين إطلاق عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي من الحبس وكان قد حبسه هارون ، وكان هارون الرشيد يعرف بفراسته ما وقع بين الأمين والمأمون فكان ينشده :
محمّد لا تبغض أخاك فإنّه * يعود عليك البغي إن كنت باغيا