مع اشتغاله يتنزّه ويعاشر ونادم الأفرم نائب دمشق ثم توجّه إلى مصر وقام بها إلى أن عاد السلطان من الكرك في سنة تسع وسبع مائة ، فجاء بعد ما خلص من واقعة الجاشنكير - فإنه نسب اليه منها أشياء وعزم الصاحب فخر الدين ابن الخليلي على القبض عليه تقرّبا إلى خاطر السلطان فلما احسّ بذلك فرّ إلى السلطان على طريق البدرية ودخل على السلطان وهو بالرمل فعفا عنه السلطان - وجاء إلى دمشق . فعمل عليه زمان قراسنقر وتوجّه إلى حلب وأقرأ بها ودرّس وأقبل عليه الحلبيّون اقبالا زائدا وعاشرهم وخالطهم ، قال : وصلني من مكارمات الحلبيّين في مدّة عشرة اشهر فوق الأربعين ألف درهم ، وأقبل عليه نائبها أسندمر . وكان محفوظا لم يقع بينه وبين أحد من الكبار الا وعاد من احبّ الناس فيه ، وكان حسن الشكل تامّ الخلق حسن البزّة حلو المجالسة طيّب المفاكهة وعنده كرم مفرط كلّ ما يحصل له ينفقه على خلطائه وخلصائه بنفس متسعة ملوكية وكان يتردد إلى الصلحاء ويلتمس دعاءهم ويطلب بركتهم . أخبرني من لفظه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن العسجدي الشافعي قال : كنت معه وكانت ليلة عيد فوقف له فقير وقال : شيء للّه ، فالتفت اليّ وقال : أيش معك ؟ فقلت : مائتا درهم ، فقال :
ادفعها إلى هذا الفقير ، فقلت له : يا سيّدي الليلة العيد وما معنا نفقة غد ، فقال : امض إلى القاضي كريم الدين الكبير وقل له : الشيخ يهنّيك بهذا العيد ، فلما رآني كريم الدين قال : كأنّ الشيخ يعوز نفقة في هذا العيد ، ودفع اليّ الفي درهم للشيخ وثلاث مائة درهم لي ، فلما حضرت إلى الشيخ وعرّفته ذلك قال : صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الحسنة بعشرة » مائتان بألفين . وحكى لي عنه غير واحد ممن كان يختصّ به مكارم كثيرة ولطفا زائدا وحسن عشرة ، وأما أوائل عشرته فما كان لها نظير لكنه ربما يحصل عنده ملل في آخر الحال حتى قال فيه القائل :
وداد ابن الوكيل له شبيه * بلبّادين جلّق في المسالك