تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
ورأيت له أيضا كتاب « الحماسة » في مجلدين ، وقد قرئت النسخة عليه وعليها خطه ، كتبه في أواخر شهر ربيع الآخر سنة خمسين وستمائة ، وقال في آخر الكتاب : وكان الفراغ من تأليفه وترتيبه بمدينة تونس ، حرسها اللّه تعالى ، في شوال سنة ست وأربعين وستمائة ؛ ونقلت من أوله بعد الحمدلة ما مثاله : أما بعد فاني قد كنت في أوان حداثتي وزمان شبيبتي ، ذا ولوع بالأدب ومحبة في كلام العرب ، ولم أزل متتبعا لمعانيه ، ومفتشا عن قواعده ومبانيه ، إلى أن حصلت لي جملة منه لا يسع الطالب المجتهد جهلها ، ولا يصلح بالناظر في هذا العلم إلا أن يكون عنده مثلها ، وحملتني المحبة في ذلك العلم والولوع به على أن جمعت مما اخترته واستحسنته من أشعار العرب : جاهليها ومخضرميها وإسلاميها ومولدها ، ومن أشعار المحدثين من أهل المشرق والأندلس وغيرهم ، ما تحسن به المحاضرة وتجمل عليه المناظرة . ثم إني رأيت أن بقاءها دون أن تدخل تحت قانون يجمعها ، وديوان يؤلفها ، مؤذن بذهابها ومؤد إلى فسادها ، فرأيت أن أضم مختارها وأجمع مستحسنها ، تحت أبواب تقيد نافرها وتضم نادرها ، ونظرت في ذلك ، فلم أجد أقرب تبويب ، ولا أحسن ترتيب ، مما بوبه ورتبه أبو تمام حبيب بن أوس رحمه اللّه تعالى في كتابه المعروف بكتاب « الحماسة » وحسن الاقتداء به والتوخي لمذهبه ، لتقدمه في هذه الصناعة ، وانفراده منها بأوفر حظ وأنفس بضاعة ، فاتبعت في ذلك مذهبه ونزعت منزعه ، وقرنت الشعر بما يجانسه ، ووصلته بما يناسبه « 1 » ونقحت ذلك ، واخترته على قدر استطاعتي ، وبلوغ جهدي وطاقتي . قلت : وأطال القول بعد هذا بما لا حاجة بنا إلى ذكره . ونقلت منه شيئا ، فمن ذلك ما ذكره في باب المراثي : قال أبو علي القالي البغدادي ، أنشدنا أبو بكر ابن دريد قال : أنشدنا أبو حاتم السجستاني « 2 » :
ألا في سبيل اللّه ماذا تضمنت * بطون الثرى واستودع البلد القفر
هامش
( 1 ) إلى هنا ينتهي ما هو مقيد بخط المؤلف ، رحمه اللّه ، وكل ما يجيء من بعد حتى نهاية الكتاب فإنه ليس بخطه ، وقيمته في ذلك قيمة سائر النسخ التي اعتمدناها في التحقيق . ( 2 ) الأمالي 2 : 115 .