قال ابن شداد في السيرة « 1 » : إنه اتصل بخدمة السلطان في مستهل جمادى الأولى من سنة أربع وثمانين ، وجميع ما ذكرته فهو بروايتي عمن أثق به ، ومن ها هنا ما أسطر إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق إليه خبرا يقارب العيان .
قال : لما كان يوم الجمعة رابع « 2 » جمادى الأولى دخل السلطان بلاد العدو على تعبية حسنة ورتب الأطلاب ، وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد الدين زنكي والقلب في الوسط ، والميسرة في الأخير ومقدمها مظفر الدين ابن زين الدين ، فوصل إلى انطرسوس ضاحي نهار الأحد سادس جمادى الأولى ، فوقف قبالتها ينظر إليها لأن قصده كان جبلة ، فاستهان بأمرها وعزم على قتالها ، فسير من رد الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر ، والميسرة على الجانب الآخر ، ونزل هو موضعه ، والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحر ، وهي مدينة راكبة على البحر ولها برجان كالقلعتين ، فركبوا وقاربوا البلد وزحفوا واشتد القتال وباغتوها ، فما استتم نصب الخيام حتى صعد لمسلمون سورها ، وأخذوها بالسيف ، وغنم المسلمون جميع من بها وما بها ، وأحرق البلد ، وأقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى ، وسلم أحد البرجين إلى مظفر الدين ، فما زال يحاربه حتى أخربه ، واجتمع به ولده الملك الظاهر لأنه كان قد طلبه ، فجاءه في عسكر عظيم .
ثم سار يريد جبلة ، وكان وصوله إليها في ثاني عشر جمادى الأولى ، وما استتم نزول العسكر عليها حتى أخذ البلد ، وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم ، وقوتلت القلعة قتالا شديدا ، ثم سلمت بالأمان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من السنة ، وأقام عليها إلى الثالث والعشرين منه .
ثم سار عنها إلى اللاذقية ، وكان نزوله عليها يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الأولى ، وهو بلد مليح خفيف على القلب ، غير مسوّر ، وله ميناء مشهور ، وله قلعتان متصلتان على تل يشرف على البلد . واشتد القتال إلى
هامش
( 1 ) السيرة : 87 .
( 2 ) السيرة : رابع عشر .