يقول لك : إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود تعرفنا بذلك فلنا إليك مهم ، فأجابه بالسمع والطاعة . فلما عاد عرفه بوصوله فاستدعاه ، وجمع له في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل الجهاد وما أعد اللّه سبحانه وتعالى للمجاهدين ، يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة ، فخرج إليه واجتمع به على بقيعة حصن الأكراد ، وقدم له الكتاب الذي جمعه ، وقال : إنه كان عزم على الانقطاع في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها .
ثم إنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة ، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف .
ولما كنت متولي الحكم بدمشق المحروسة جاءني في بعض شهور سنة ست وستين وستمائة إسجال قد ثبت مضمونه عند القاضي أبي المحاسن المذكور ، وهو يومئذ قاضي العسكر الصلاحي ، وقد انقطع ثبوته بموت شهوده ، فتعذر إثباته عندي لذلك ، وتأملته إلى آخره ، لأنني استغربته ، فقد كان شيخنا وأخذنا عنه كثيرا وحصل الانتفاع بصحبته .
عدنا إلى بقية ما ذكره أبو المحاسن المذكور - فقال : إنه كان قد حضر إلى خدمة صلاح الدين في صحبة شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل والقاضي محيي الدين ابن الشهرزوري لما وصلا إليه في رسالة ، واتفق في تلك الدفعة وفاة البهاء الدمشقي المدرس - كان - بمصر في مدرسة منازل العز وخطيب مصر ، وأن صلاح الدين عرض عليه تدريس المدرسة المذكورة فلم يفعل ، وأنه حضر عند السلطان دفعة ثانية في رسالة من الموصل وهو على حران ، وكان صلاح الدين مريضا يومئذ .
وذكر أنه لما توفي صلاح الدين كان حاضرا ، وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الإخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض ، وأن الملك الظاهر غياث الدين بن صلاح الدين صاحب حلب كتب إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق ، يطلبه منه ، فأجابه إلى ذلك ، فأرسله الظاهر إلى مصر لاستحلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 88
مساهمون: ابن خلكان
ص٨٨