الإمام ، وهو إذ ذاك مدرس المدرسة السيفية ، فقرأت عليه من أول كتاب « الوجيز » للغزالي إلى الإقرار .
وعلى الجملة فقد خرجنا عما نحن بصدده بسبب اتصال الكلام .
وكان القاضي أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها ، لم يكن لأحد معه في الدولة كلام ، وكان سلطانها الملك العزيز أبا المظفر محمد بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين ، وهو صغير السن ، تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل ، وهو أتابكه ومتولي تدبير الدولة بإشارة القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور .
وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ورعاية كبيرة خصوصا جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على سماطه ، وكنا نسمع عليه الحديث ونتردد إليه في داره فقد كانت له قبة تختص به ، وهي شتوية لا يجلس في الصيف والشتاء إلا فيها ، لأنّ الهرم كان قد أثر فيه حتى صار كفرخ الطائر من الضعف ، لا يقدر على الحركة للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة ؛ وكانت النزلات تعتريه في دماغه فلا يفارق تلك القبة ، وفي الشتاء يكون عنده منقل كبير عليه من الفحم والنار شيء كثير ، ومع هذا كله فلا يزال مزكوما وعليه الفرجية البرطاسي « 1 » والثياب الكثيرة ، وتحته الطّراحة الوثيرة فوق البسط ذوات الخمائل الثخينة ، بحيث إنا كنا نجد عنده الحرّ والكرب ، وهو لا يشعر به لكثرة استيلاء البرودة عليه من الضعف . وكان لا يخرج لصلاة الجمعة إلا في شدة القيظ ، وإذا قام إلى الصلاة بعد الجهد يكاد يسقط ، ولقد كنت أنظر إلى ساقيه إذا وقف للصلاة وكأنهما عودان رقيقان لا لحم عليهما . وكان عقيب صلاة الجمعة يسمع المصلون عنده الحديث عليه ، وكان يعجبه ذلك . وكان حسن المحاضرة جميل المذاكرة ، والأدب غالب عليه ، وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه :
إن السلامة من ليلى وجارتها * أن لا تمر على حال بناديها
هامش
( 1 ) نسبة إلى برطاس شمالي بحر قزوين .