ألقيت عن يدي العصا * زمن الشبيبة للنزول
وحملتها لما دعا * داعي المشيب إلى الرحيل
وكان ببغداد شخص يقال له ابن بشران ، وكان كثير الأراجيف ، فمنع من ذلك ، فقعد على الطريق ينجم ، فقال فيه ابن صابر :
إن ابن بشران ولست ألومه « 1 » * من خيفة السلطان صار منجما
طبع المشوم على الفضول فلم يطق * في الأرض إرجافا فأرجف في السما
قلت « 2 » : وأنشدني الأديب شهاب الدين أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن سالم المعروف بابن التّلّعفري لنفسه في بعض ليالي شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة بالقاهرة المحروسة ، وهو من شعراء العصر المجيدين :
يا شيب كيف وما انقضى زمن الصبا * عاجلت مني اللّمّة السوداء
لا تعجلنّ فوالذي جعل الدجى * من ليل طرّتي البهيم ضياء
لو أنها يوم الحساب صحيفتي * ما سرّ قلبي كونها بيضاء
فقلت له : قد أغرت على بيت نجم الدين ابن صابر ، حتى إنك قد أخذت معظم لفظه وجميع معناه والوزن والروي ، وهو قوله :
لو أن لحية من يشيب صحيفة * لمعاده ما اختارها بيضاء
فحلف أنه لم يسمع هذا البيت إلا بعد عمله للأبيات المذكورة ، واللّه أعلم بذلك . وهذا البيت لابن صابر من جملة أبيات وهي :
قالوا بياض الشيب نور ساطع * يكسو الوجوه مهابة وضياء
حتى سرت وخطاته في مفرقي * فوددت أن لا أفقد الظلماء
وعدلت أستبقي الشباب تعللا * بخضابها فصبغتها سوداء
لو أن لحية من يشيب صحيفة * لمعاده ما اختارها بيضاء
هامش
( 1 ) المختار وهامش المسودة : على علاته
( 2 ) انظر الغيث 2 : 104 .