وولي يعقوب زيّن له هواه ، فأنفق الأموال وأكبّ على اللذات والشرب وسماع الغناء ، واشتغل يعقوب بالتدبير ، ففي ذلك يقول بشار بن برد الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الباء « 1 » - :
بني أمية هبّوا طال نومكم * إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا * خليفة اللّه بين الزق « 2 » والعود
وكان أبو حارثة النهدي يتقلد خزن بيوت الأموال ، فلما خلت من المال دخل إلى المهدي ومعه المفاتيح وقال له : إذا كنت قد أنفقت جميع الأموال فما معنى هذه المفاتيح معي ؟ مر من يقبضها مني ، فقال له المهدي :
دعها معك فإن الأموال تأتيك . ثم سير في استحثاث الأموال فوردت عليه في مدة يسيرة ، وقصّر في النفقات قليلا فتوفرت الأموال ، وتشاغل أبو حارثة في قبض ما ورد عليه وتصحيحه ، فلم يدخل إلى المهدي ثلاثة أيام ، فقال المهدي : ما فعل هذا الأعرابي الأحمق ؟ فخبر بالسبب في تأخره ، فدعا به وقال له : ما أخرك عنا ؟ فقال : ورود الأموال ، فقال : يا أحمق توهمت أن الأموال لا تأتينا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الحادث لو حدث واحتيج إلى المال ولم يصلح إلا به لم ينتظر حتى يوجه في حمل الأموال .
وروي أن المهدي حج في بعض السنين فمر بميل وعليه كتابة ، فوقف وقرأه فإذا هو :
للّه درك يا مهديّ من رجل * لولا اتخاذك يعقوب بن داود
فقال لمن معه : اكتب تحته على رغم أنف الكاتب لهذا وتعسا لجده ! فلما انصرف وقف على الميل فقلنا : لم يقف عليه إلا لشيء قد علق بقلبه من ذلك الشعر ، فكان كذلك لأنه أوقع بيعقوب بعد قليل .
هامش
( 1 ) انظر ج 1 : 271
( 2 ) المختار : الدف ؛ بر من : الدن .