تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
ثم رجع إلى إشبيلية وأقام إلى أثناء سنة ثلاث وتسعين ، فعاد إلى بلاد الفرنج مرة ثالثة « 1 » وفعل فيها كفعله المتقدم ، فلم يبق للفرنج قدرة على لقائه وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فأرسلوا إليه يلتمسون منه الصلح ، فأجابهم إلى ذلك لما اتصل به من أخبار علي بن إسحاق الميورقي - المقدم ذكره في هذه الترجمة - فإنه كان قد خرج على بلاد إفريقية وخرب أكثر بلادها ، وتوجه نحو الغرب ، وسوّلت له نفسه النزول على بجاية لما علمه من اشتغال الأمير يعقوب بجزيرة الأندلس والجهاد فيها وتأخره عن بلاد المغرب مدة ثلاث سنين . فأوقع الصلح بينه وبين ملوك بلاد الأندلس جميعا على ما اختاره لمدة خمس سنين ، ثم عاد إلى مراكش في أواخر سنة ثلاث وتسعين . ولما وصل إليها أمر باتخاذ الأحواض والروايا وآلات السفر للتوجه إلى بلاد إفريقية ، فاجتمع إليه مشايخ الموحدين وقالوا له : يا سيدنا قد طالت غيبتنا بالأندلس ، فمنا من له خمس سنين ومنا من له ثلاث سنين وغير ذلك ، فتنعم علينا بالمهلة هذا العام وتكون الحركة في أول سنة خمس وتسعين ، فأجابهم إلى سؤالهم وانتقل إلى مدينة سلا وشاهد ما فيها من المتنزهات المعدة له ، وكان قد بنى بالقرب من المدينة المذكورة مدينة عظيمة ، سماها « رباط الفتح » على هيئة الإسكندرية في اتساع الشوارع وحسن التقسيم وإتقان البناء وتحسينه وتحصينه ، وبناها على البحر المحيط الذي هناك ، وهي على نهر سلا مقابلة لها من البرّ القبلي ، وطاف تلك البلاد وتنزه فيها ثم رجع إلى مراكش . قلت : وبعد هذا اختلفت الروايات في أمره ، فمن الناس من يقول : إنه ترك ما كان فيه وتجرد وساح في الأرض حتى انتهى إلى بلاد الشرق « 2 » وهو مستخف لا يعرف ، ومات خاملا ، ومنهم من يقول : إنه لما رجع
هامش
( 1 ) ر : مرة أخرى ثالثة . ( 2 ) المختار : المشرق .
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 9 | ابن خلكان / إحسان عباس / إحسان عباس