تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
ورأيت جماعة من فضلاء المغاربة ينكرون هذا التاريخ ويذكرون ما نشرحه إن شاء اللّه تعالى : وهو أن الفرنج جمعوا جمعا عظيما وقصدوه ، وبلغ الأمير يعقوب خبر مسيرهم وكثرة جموعهم ، فما هاله ذلك ، وجدّ في السير نحوهم حتى التقوا في شمال قرطبة على قرب قلعة رباح في مرج الحديد « 1 » ، وفيه نهر يشقه ، فعبر إلى منزلة الفرنج وصافّهم ، وذلك يوم الخميس التاسع من شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ، واقتفى في ذلك طريقة أبيه وجده فإنهما أكثر ما كانوا يصافون يوم الخميس ، ومعظم حركاتهم « 2 » في صفر ، ووقع القتال وبرزت الأبطال وصبرت الرجال ، فأمر الأمير يعقوب فرسان الموحدين وأمراء العرب أن يحملوا ففعلوا ، وانهزم الفرنج وعمل فيهم السيف فاستأصلهم قتلا ، وما نجا ملكهم إلا في نفر يسير ، ولولا دخول الليل لم يبق منهم أحد ، وغنم المسلمون أموالهم ، حتى قيل إن الذي حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع ، وأما الدواب على اختلاف أنواعها فلم يحصر لها عدد ، ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة مثلها . ومن عادة الموحدين أنهم لا يأسرون مشركا محاربا إن ظفروا به ولو كان ملكا عظيما ، بل تضرب رقابهم كثروا أو قلوا ، فلما أصبح جيش المسلمين اتبعوهم فألفوهم قد أخلوا قلعة رباح لما داخلهم من الرعب ، فملكها الأمير يعقوب وجعل فيها واليا وجيشا . ولكثرة ما حصل له من الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج في ذلك الوقت ، فعاد إلى مدينة طليطلة وحاصرها وقاتلها أشد قتال وقطع أشجارها وشنّ الغارات على بلادها ، وأخذ من أعمالها حصونا كثيرة وقتل رجالها وسبى حريمها وخرب مبانيها « 3 » وهدم أسوارها ، وترك الفرنج في أسوأ حال ، ولم يبرز إليه أحد من المقاتلة .
هامش
( 1 ) سماه المراكشي « فحص الحديد » . ( 2 ) من هنا يبدأ النص بخط المؤلف . ( 3 ) ر : مغانيها .