قال : خرج إلي مسرور الخادم فأمرني أن آتي بك أمير المؤمنين ، فقلت : تأذن لي أن أصب عليّ ماء وأتحنط ؟ فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني وإن رزق « 1 » اللّه العافية فلن يضرني ، فأذن لي ، فدخلت فلبست ثيابا جددا ، وتطيبت بما أمكن من الطيب ، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين هارون الرشيد فإذا مسرور واقف ، فقال له هرثمة : قد جئت به ، فقلت لمسرور : يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي وميلي ، وهذا وقت ضيق ، فتدري لم طلبني أمير المؤمنين ؟ قال :
لا ، فقلت : فمن عنده ؟ قال : عيسى بن جعفر ، قلت : ومن ؟ قال : ما عندهما ثالث ، ثم قال لي : مر ، فإذا صرت في الصحن فإنّه في الرواق ، وهو ذاك جالس فحرّك رجلك بالأرض ، فإنّه سيسألك فقل : أنا . قال أبو يوسف :
فجئت ففعلت ذلك فقال : من هذا ، فقلت : يعقوب ، فقال : ادخل ، فدخلت فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر ، فسلمت فرد السلام علي وقال :
أظننا روّعناك ؟ فقلت : إي واللّه وكذلك من خلفي ، فقال : اجلس ، فجلست حتى سكن روعي ، ثم التفت إليّ وقال : يا يعقوب ، تدري لم دعوتك ؟ قلت :
لا ، قال : دعوتك لأشهدك على هذا ان عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع ، وسألته أن يبيعها فأبى ، واللّه لئن لم يفعل لأقتلنه ، قال أبو يوسف : فالتفتّ إلى عيسى فقلت له : وما بلغ اللّه بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة ؟ قال فقال لي : عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي ، قلت : وما في هذا من الجواب ؟ قال : إن عليّ يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها ، فالتفت إليّ الرشيد فقال : هل له في ذلك من مخرج « 2 » ؟ قلت نعم ، قال : وما هو ؟ قلت : يهب لك نصفها ويبيعك نصفها ، فيكون لم يهب ولم يبع ، فقال عيسى : ويجوز ذلك ؟ قلت : نعم ، قال : فأشهدك أنّي قد وهبت له نصفها وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار ، فقال له الرشيد :
قبلت الهبة واشتريت نصفها بمائة ألف دينار ، ثم طلب منه الجارية « 3 » ، فأتى بالجارية وبالمال ، فقال : خذها يا أمير المؤمنين بارك اللّه لك فيها ، فقال الرشيد : يا يعقوب
هامش
( 1 ) ر : وإن يكن رزق .
( 2 ) المختار : فرج .
( 3 ) فقال له الرشيد . . . الجارية ، سقط من المسودة .