تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة ، وكتب الكثير ، وكان خطه في غاية الجودة ، وكان فاضلا أديبا متقنا ، له فطرة حسنة وشعر فائق ورسائل أنيقة ، سمع الحديث بثغر الإسكندرية المحروسة على الحافظ أبي طاهر السّلفي وأبي الثناء حماد بن هبة اللّه الحراني ، وحدث وسمع الناس عليه . وله لغز في الدملج الذي تلبسه النساء ، وهو بديع في بابه فأحببت ذكره ، وهو نثر : ما شيء قلبه حجر ، ووجهه قمر ، إن نبذته صبر ، واعتزل البشر ، وإن أجعته رضي بالنوى ، وانطوى على الخوى ، وإن أشبعته قبل قدمك ، وصحب خدمك ، وإن غلفته ضاع ، وإن أدخلته السوق أبى أن يباع ، وإن أظهرته جمّل المتاع ، وأحسن الإمتاع ، وإن شددت ثانيه ، وحذفت منه القافية ، كدر الحياة ، وأوجب التخفيف في الصلاة ، وأحدث في « 1 » وقت العصر الضجر ، ووقت الفجر الخدر ، وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر ، هذا وإن فصلته دعا لك ، وأبقى ما إن ركبته هالك ، وربما بلغك آمالك ، وكثر مالك ، وأحسن بعون المساكين مآلك ، والسلام . قلت : وهذا اللغز قد يقف عليه من لا يعرف طريق حله ، فيعسر عليه تفسيره ، فيحتاج إلى الإيضاح ، فأقول : أما قوله « ما شيء قلبه حجر » فمراده قلب حروف دملج ، فإنّا إذا قلبنا هذه الحروف يخرج منها « جلمد » وهو الحجر ، وقوله « ووجهه قمر » يريد أنّه مستدير كالقمر ، وقوله « إن نبذته صبر واعتزل البشر » فالبشر جمع بشرة ، فالإنسان إذا ألقى الدملج عنه صبر واعتزل بشرته إذ ليس فيه أهلية المنع فهو يصبر ويعتزل المكان الذي كان فيه . وقوله « وإن أجعته رضي بالنوى » فالنوى لفظ مشترك يقع على البعد وعلى نوى التمر ، وعادتهم في بلاد العراق أن يطحنوا نوى التمر والرطب والبسر ويعلفوا به البقر ، وقصد هاهنا هذه التورية ، فإن الدملج إذ أخرج من العضد أو من الساق فقد جاع ، لأنّه يكون فارغ الجوف ، ويرضى بالنوى الذي هو البعد عن عضو صاحبه ، ويقولون : فلان يرضى بالنوى ، إذا كان فقيرا لا يجد ما يتبلغ به ، فهو يجتزىء بمص النوى ، وهذا يفعله أهل
هامش
( 1 ) في : زيادة من س والمختار .