وليس لي فيها ذكر ، فأنفذت المبتدأ بيمنه وبركته والمختتم بطيبه ونظافته ، صابرا على ألم التقصير ، ومتجرعا غصص الاقتصار على اليسير ، فأمّا ما لم أجد إليه السبيل في قضاء حقّك فالقائم فيه بعذري قول اللّه عزّ وجل
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ
( التوبة : 91 ) والسلام . فلما حضر يحيى بن خالد الوليمة عرض عليه كاتبه الهدايا جميعها ، حتى الكيسين والرقعة فاستظرفها ، وأمر أن يملأ الكيسان مالا ويردا عليه ، فكان ذلك أربعة آلاف دينار .
وقال رجل ليحيى : واللّه لأنت أحلم من الأحنف بن قيس ، فقال له :
لا تقرّب « 1 » إليّ من أعطاني فوق حقي .
ونادى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أحد غلمانه فلم يجبه ، فقال : سمعت يحيى بن خالد يقول : يدل على حلم الرجل سوء أدب غلمانه .
وكان يحيى يساير الرشيد يوما فوقف له رجل فقال : يا أمير المؤمنين عطبت دابتي ، فقال الرشيد : يعطى خمسمائة درهم ، فغمزه يحيى ، فلما نزلوا قال له الرشيد : يا أبت أومأت إليّ بشيء ولم أعرفه ، فقال : مثلك لا يجري هذا القدر على لسانه ، إنّما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف ، عشرة آلاف ألف ، فقال : إذا سئلت مثل هذا كيف أقول ؟ ، فقال : تقول : يشترى له دابة .
وبالجملة فإن أخبارهم كثيرة ، ولا يحتمل هذا المختصر الإطالة أكثر من هذا .
ولما قتل هارون الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي - كما ذكرناه في حرف الجيم من هذا الكتاب - نكب البرامكة وحبس يحيى وابنه الفضل - كما ذكرناه في حرف الفاء من هذا الكتاب - وكان حبسهما في الرافقة ، وهي الرقة القديمة تجاور الرقة الجديدة ، وهي البلد المشهور الآن على شاطىء الفرات ، ويقال لهما الرقتان ، تغليبا لأحد الاسمين على الآخر ، كما قيل العمران والقمران وغير ذلك .
هامش
( 1 ) س ص : ما تقرب .