وقال محمد بن مناذر الشاعر : حج هارون الرشيد ومعه ابناه الأمين محمد والمأمون عبد اللّه ، وحج معه يحيى بن خالد وابناه الفضل وجعفر ، فلما صاروا بالمدينة جلس الرشيد ومعه يحيى بن خالد ، فأعطى الناس عطاءهم ، ثم جلس الأمين ومعه الفضل فأعطاهم العطاء ، ثم جلس المأمون ومعه جعفر بن يحيى فأعطاهم عطاياهم ، وكان أهل المدينة يسمون ذاك العام عام الأعطية الثلاثة ، ولم يروا مثل ذلك قط ، فقلت في ذلك :
أتانا بنو الأملاك من آل برمك * فيا طيب أخبار ويا حسن منظر
لهم رحلة في كلّ عام إلى العدى * وأخرى إلى البيت العتيق المطهّر
إذا نزلوا بطحاء مكّة أشرقت * بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى * بمكّة ما حجوا ثلاثة أقمر
فما خلقت إلا لجود أكفّهم * وأقدامهم إلا لأعواد منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابه * فناهيك من راع له ومدبّر
ترى الناس إجلالا له وكأنّهم * غرانيق ماء تحت باز مصرصر « 1 »
وذكر الخطيب في « تاريخ بغداد » « 2 » ، في ترجمة أبي عبد اللّه محمد بن عمر الواقدي أنّه قال : كنت حنّاطا « 3 » بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها ، فتلفت الدراهم ، فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد ، فجلست في دهليزه وأنست بالخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه ، فقالوا : إذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد ، ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت ، فلما حضر طعامه أدخلوني فأجلسوني معه على المائدة ، فسألني : من أنت ؛ وما قصتك ؟
فأخبرته ، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه ، فاشمأز من ذلك ، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار ، فقال : الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك : استعن بهذا على أمرك
هامش
( 1 ) هذا البيت والذي قبله زيادة من : ر ن ، وسقطت القصة كلها من س بر من .
( 2 ) تاريخ بغداد 3 : 4 .
( 3 ) في بعض النسخ : خياطا ؛ والحناط : هو بائع الحنطة ، وهذا مناسب للمضاربة .