وحكى الجهشياري في كتاب « أخبار الوزراء » « 1 » أن يحيى بن خالد اشتهى في وقت من الأوقات في محبسه وهو مضيق عليه سكباجة ، فلم يطلق له اتخاذها إلا بمشقة ، فلما فرغ منها سقطت القدر من يد المتخذ لها فانكسرت ، فأنشد يحيى أبياتا يخاطب بها الدنيا ، ومضمونها اليأس وقطع الأطماع « 2 » .
ولم يزل يحيى في حبس الرافقة « 3 » إلى أن مات في الثالث من المحرم سنة تسعين ومائة فجأة من غير علة ، وهو ابن سبعين سنة ، وقيل أربع وسبعين « 4 » ، وصلى عليه ابنه الفضل ، ودفن في شاطىء الفرات في ربض هرثمة ، ووجد في جيبه رقعة فيها مكتوب بخطّه : قد تقدم الخصم ، والمدعي عليه في الأثر ، والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بينة . فحملت الرقعة إلى الرشيد ، فلم يزل يبكي يومه كلّه وبقي أياما يتبين الأسى في وجهه ، رحمهما اللّه تعالى « 5 » .
وكان يحيى يجري على سفيان الثوري ، رضي اللّه عنه ، في كل شهر ألف درهم ، وكان سفيان يقول في سجوده : اللّهم إن يحيى كفاني أمر دنياي ، فاكفه أمر آخرته ، فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم فقال له : ما صنع اللّه بك ؟ قال : غفر لي بدعاء سفيان ، وقيل إن صاحب هذه القضية هو سفيان ابن عيينة لا سفيان الثوري ، واللّه تعالى أعلم .
قال الجهشياري « 6 » : ندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة وتحسر على ما فرط منه في أمرهم ، وخاطب جماعة من إخوانه بأنّه لو وثق منهم بصفاء النية منهم لأعادهم إلى حالهم . وكان الرشيد كثيرا ما يقول : حملونا على نصحائنا وكفاتنا ، وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم ، فلما صرنا إلى ما أرادوا لم يغنوا عنا ، وأنشد :
هامش
( 1 ) أخبار الوزراء : 245 ، ولم يرد هذا النص في س بر من .
( 2 ) مطلعها :قطعت منك حبائل الآمال * وأرحت من حل ومن ترحال( 3 ) المختار : في الحبس بالرافقة .
( 4 ) ن : وستين .
( 5 ) هنا تنتهي الترجمة في س بر من .
( 6 ) الوزراء والكتاب : 258 .