فنعرفها فيهم ، ففي من الشجاعة ؟ فقال : في موسى بن يحيى ، وقد رأيت أن أوليه ثغر السند .
وقال إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي - المقدم ذكره « 1 » - : حدثني أبي قال : أتيت يحيى بن خالد بن برمك فشكوت إليه ضيقة فقال : ويحك ، ما أصنع بك ؟ ليس عندنا في هذا الوقت شيء ، ولكن هاهنا أمر أدلك عليه فكن فيه رجلا ، قد جاءني خليفة صاحب مصر يسألني أن أستهدي صاحبه شيئا ، وقد أبيت ذلك عليه ، فألح علي ، وقد بلغني أنك قد أعطيت بجاريتك فلانة ثلاثة آلاف دينار ، فهو ذا أستهديه إياها وأخبره أنها قد أعجبتني فإياك أن تنقصها من ثلاثين ألف دينار وانظر كيف تكون ، قال : فو اللّه ما شعرت إلا بالرجل وافاني فساومني بالجارية ، فقلت له : لا أنقصها من ثلاثين ألف دينار ، فلم يزل يساومني حتى بذل لي عشرين ألف دينار ، فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها ، فبعتها وقبضت العشرين ألفا ، ثم صرت إلى يحيى بن خالد فقال لي : كيف صنعت في بيعك الجارية ؟ فأخبرته وقلت : واللّه ما ملكت نفسي أن أجبت إلى العشرين ألفا حين سمعتها ، فقال : إنّك لخسيس فخذ جاريتك بارك اللّه لك فيها ، وهذا خليفة صاحب فارس قد جاءني في مثل هذا ، فإذا ساومك بها فلا تنقصها من خمسين ألف دينار ، فإنّه لا بد أن يشتريها منك بذلك ، فجاءني الرجل فاستمت عليه خمسين ألف دينار ، فلم يزل يساومني حتى أعطاني ثلاثين ألف دينار ، فضعف قلبي عن ردها ولم أصدق بها ، فأوجبتها ثم صرت إلى يحيى بن خالد فقال لي : بكم بعت الجارية ؟ فأخبرته ، فقال :
ويحك ! ألم تؤدبك الأولى عن الثانية ، قال : فقلت : واللّه ضعفت عن رد شيء لم أطمع فيه ، قال فقال : هذه جاريتك فخذها إليك ، قال :
فقلت : جارية أفدت بها خمسين ألف دينار ، ثم أملكها ، أشهدك أنها حرة ، وأنّي قد تزوجتها . هكذا رأيت هذه الحكاية ، ثم نظرت في كتاب « أخبار الوزراء » تأليف الجهشياري فقال : إن يحيى قال لإبراهيم الموصلي : لا تقبل أقل من مائة ألف دينار ، وأنّه باعها بخمسين ألف دينار ، وقال له في المرة الثانية
هامش
( 1 ) انظر ج 1 : 202 .