وإذ قد ذكرنا ثقة الدولة « 1 » المذكور فنذكر قصيدة أبي محمد عبد اللّه بن محمد « 2 » التنوخي المعروف بابن قاضي ميلة « 3 » التي مدحه بها في عيد النحر ، وهي قصيدة بديعة لا توجد بكمالها في أيدي الناس ، ولقد ظفرت بها في ظهر كتاب ، ولم يكن عندي منها سوى البعض ، ولا سمعت أحدا يروي منها إلّا ذلك القدر ، فأحببت إثباتها لحسنها وغرابتها وهي هذه :
يذيل الهوى دمعي وقلبي المعنّف * وتجني جفوني الوجد وهو المكلّف
وإنّي ليدعوني إلى ما شنفته * وفارقت مغناه الأغنّ المشنّف
وأحور ساجي الطرف أما وشاحه * فصفر وأما وقفه فموقّف
يطيب أجاج الماء من نحو أرضه * يحيي ويندى ريحه وهو حرجف
وأيأسني من وصله أن دونه * متالف تسري الريح فيها فتتلف
وغير أن يجفو النوم كي لا يرى لنا * إذا نام شملا في الكرى يتألف
يظل على ما كان من قرب دارنا * وغفلته عما مضى يتأسف
وجون بمزن الرعد يستنّ ودقه * يرى برقه كالحية الصل تطرف
كأنّي إذا ما لاح والرعد معول * وجفن السحاب الجون بالماء يذرف
سليم وصوت الرعد راق وودقه * كنفث الرّقى من سوء ما أتكلف
ذكرت به ريا وما كنت ناسيا * فأذكر لكن لوعة تتضعف
ولما التقينا محرمين وسيرنا * بلبّيك ربّا والركائب تعسف
نظرت إليها والمطيّ كأنّما * غواربها منها معاطس رعّف « 4 »
فقالت أما منكنّ من يعرف الفتى * فقد رابني من طول ما يتشوف
أراه إذا سرنا يسير حذاءنا * ونوقف أخفاف المطيّ فيوقف
هامش
( 1 ) انظر نبذة عنه في كتابنا « العرب في صقلية » : 46 وفيه تحويل إلى المصادر .
( 2 ) بر : أبي عبد اللّه محمد بن محمد .
( 3 ) ميلة : مدينة بالجزائر إلى الشمال الغربي من قسنطينية ( البكري : 64 والاستبصار : 166 ) .
( 4 ) ر : ترعف .