محبتي للتوفير ، ورغبتي في التثمير ، وجمعي للولد ، وادّخاري لغد ، فلم أجد فيه مستبقيا لبقاء ، ولا مدفعا لعناء ، لأنه ليس بأنثى فتلد ، ولا بفتى فينسل ، ولا بصحيح فيرعى ، ولا بسليم فيبقى ؛ فقلت : أذبحه ليكون وظيفة للعيال ، وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال ، فأنشدني وقد أضرمت النار وحدّت الشفار :
أعيذها نظرات منك صادقة * أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
ثم قال : وما الفائدة في ذبحي ولست بذي لحم فأصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي ، ولا ذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي ، ولا ذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري ؛ فإن أردتني للوقود فكيف يعز أنفي من ناري ولريقي حرارة جمري بريح قتاري ؟ فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم . فوجدته صادقا في مقالته ، ناصحا في مشورته ، ولم أعلم من أي أمر به أعجب : أمن مطالبته للدهر بالبقاء ، أم صبره على الضر والبلاء ، أم قدرتك عليه مع عدم مثله ، أم هديتك إياه للصديق مع خساسة قدره . ويا ليت شعري وأنت فيما أنت فيه ، وهديتك هذا الذي كأنه نشر من القبور ، أو قام عند النفخ في الصور ، ما كنت مهديا - لو أني رجل من عرض الكتّاب كأبي علي وأبي الخطاب - ما كنت مهديا إلا كلبا أجردا أو قردا أحدبا ، والسلام .
( آيا صوفيا : 10 ب - 11 ب )
( 43 ) الصابىء صاحب الرسائل ( الترجمة رقم : 15 ، ص : 53 ، س : 12 ، بعد قوله : إن كنت مالي )
( 43 ) ومن بديع شعره قوله :
وكم من يد بيضاء حازت كمالها * يد لك لا تسود من النّقس
إذا رقّشت بيض الصحائف خلتها * تطرز بالظلماء أودية الشمس
( آيا صوفيا : 11 ب )