تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وسلك معه ولده صلاح الدين من الأدب ما هو اللائق بمثله ، وعرض عليه الأمر كله فأبى وقال : يا ولدي ، ما اختارك اللّه تعالى لهذا الأمر إلا وأنت أهل له ، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة ، ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد كما هو مذكور في ترجمته . ثم خرج صلاح الدين إلى الكرك ليحاصرها وأبوه بالقاهرة ، فركب يوما ليسير على عادة الجند ، فخرج من باب النصر أحد أبواب القاهرة ، فشبّ به فرسه فألقاه في وسط المحجة ، وذلك في يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة ، فحمل إلى داره ، وبقي متألما إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور ، هكذا ذكره جماعة من المؤرّخين ، منهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني ، لكنه قال : إن وفاته كانت يوم الثلاثاء . ورأيت في تاريخ كمال الدين بن العديم فصلا نقله من تعليق العضد مرهف بن أسامة بن منقذ ، قال : إنه توفي يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة . قلت : ظاهر الحال أن العضد ما أوقعه في هذا الوهم إلا أنه اعتقد أنه توفي في اليوم الذي سقط فيه عن فرسه ، فان هذا التاريخ هو تاريخ سقوطه عن الفرس لا تاريخ وفاته ، واللّه أعلم . ولما مات دفن إلى جانب أخيه أسد الدين شيركوه في بيت بالدار السلطانية ثم نقلا بعد سنين إلى المدينة الشريفة النبوية ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام . ورأيت في تاريخ القاضي الفاضل الذي رتبه على الأيام ، وهو بخطه ، يذكر فيه ما يتجدد في كل يوم ، فقال : وفي يوم الخميس رابع صفر سنة ثمانين وخمسمائة وصل كتاب بدر الأسدي - يعني من المدينة - يخبر بوصول تابوتي الأميرين : نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه ، واستقرارهما بتربتهما مجاورين الحجرة المقدسة النبوية ، نفعهما اللّه تعالى بمجاورتها . ولما عاد صلاح الدين من الكرك إلى الديار المصرية بلغه الخبر في الطريق فشق عليه حيث لم يحضره ، وكتب إلى ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 258 | ابن خلكان / إحسان عباس / إحسان عباس