والمعتبرين بها ، وكان له صاحب يقال له : جمال الدولة المجاهد بهروز - قلت :
وهو المذكور في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب - قال : وكان من أظرف الناس وألطفهم وأخبرهم بتدبير الأمور ، وكان بينهما من الاتحاد كما بين الأخوين ، فجرت لبهروز قضية في دوين ، فخرج منها حياء وحشمة ، وذلك أنه اتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين ، فأخذه صاحبها فخصاه ، فلما مثل به لم يقدر على الإقامة بالبلد ، وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية ، وهو السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه ، الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى ، واتصل باللالا الذي لأولاده ، فوجده لطيفا كافيا في جميع الأمور ، فتقدم عنده وتميز ، وفوض أحواله إليه ، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل ، فرآه السلطان يوما مع أولاده ، فأنكر على اللالا ، فقال له : إنه خادم ، وأثنى عليه وشكر دينه وعفافه ومعرفته ، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال ، فخفّ على قلبه ، ولعب معه بالشطرنج والنرد فحظي عنده ، واتفق موت اللالا ، فجعله السلطان مكانه ، وأرصده لمهامّه ، وسلم إليه أولاده ، وسار ذكره في تلك النواحي ، فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده ليشاهد ما صار إليه من النعمة ، وليقاسمه فيما خوّله اللّه تعالى ، وليعلم أنه ما نسيه ، فلما وصل إليه بالغ في إكرامه والإنعام عليه .
واتفق أن السلطان رأى أن يوجّه المجاهد المذكور إلى بغداد واليا عليها ونائبا عنه بها ، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد يسيرون إليها النّوّاب ، فاستصحب معه شاذي المذكور ، فسار هو وأولاده صحبته ، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت ، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي المذكور ، فأرسله إليها ، فمضى وأقام بها مدة وتوفي بها ، فولى مكانه ولده نجم الدين أيوب المذكور ، فنهض في أمرها ، وشكره بهروز وأحسن إليه ، وكان أكبر سنا من أخيه أسد الدين شيركوه ، الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى .
قلت : وهذا الكلام بينه وبين الآتي ذكره في ترجمة صلاح الدين بعض الاختلاف ، واللّه أعلم بالصواب ، ولا شك أنه يحصل المقصود من مجموع الكلامين ، فلينظر هناك أيضا ، وذكرت في تلك الترجمة أيضا سبب المعرفة بين عماد الدين
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 256
مساهمون: ابن خلكان
ص٢٥٦