قال الجاحظ : إذا نظر الإنسان إلى موضع منفتح في أرض مستوية فليتأمله فإن رآه يتصدع في تهيّل « 1 » وكان تفتّحه مستويا علم أنها كمأة ، وإن خلط في التصدع والحركة علم أنها دابة .
وله في هذا الباب من الفراسة أشياء غريبة كثيرة ، ولولا خوف الإطالة لبسطت القول في ذلك ، وبعض العلماء قد جمع جزءا كبيرا من أخباره 30 .
وكتب عمر بن عبد العزيز الأموي - رضي اللّه عنه - في أيام خلافته إلى نائبه بالعراق وهو عدي بن أرطاة أن اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الحرشي فولّ قضاء البصرة أنفذهما ، فجمع بينهما ، فقال له إياس : أيها الأمير سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن البصري ومحمد بن سيرين ، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما ، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به ، فقال له :
لا تسأل عني ولا عنه ، فو اللّه الذي لا إله إلا هو إن إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء فإن كنت كاذبا فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب ، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي ، فقال له إياس « 2 » : إنك جئت برجل أوقفته على شفير جهنم فنجّى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر اللّه منها وينجو مما يخاف ، فقال عدي بن أرطاة : أما إذ فهمتها فأنت لها ، واستقضاه .
وروي عن إياس أنه قال : ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد ، وذلك اني كنت في مجلس القضاء بالبصرة ، فدخل عليّ رجل شهد عندي أن البستان الفلاني - وذكر حدوده - هو ملك فلان ، فقلت له : كم عدد شجره ؟ فسكت ثم قال : منذكم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس ؟ فقلت : منذ كذا ، فقال :
كم عدد خشب سقفه ؟ فقلت له : الحق معك ، وأجزت شهادته .
وكان يوما في برّيّة فأعوزهم الماء ، فسمع نباح كلب فقال : هذا على رأس بئر ، فاستقروا النّباح فوجدوه كما قال ، فقيل له في ذلك فقال :
لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بئر . وكان له في ذلك غرائب 71 .
هامش
( 1 ) ه : في تهيله .
( 2 ) د : إنك جئت برجل فأقمته على جهنم ، فافتدى نفسه من النار أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذبا . . . الخ .