تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
ابن عدنان المعروف بابن القرّيّة الهلالي ، والقرّيّة : جدته ، واسمها جماعة بنت جشم بن ربيعة بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج - وتمام النسب مذكور في أول الترجمة - ؛ كان أعرابيّا أميّا ، وهو معدود من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة ، وكان قد أصابته السّنة ، فقدم عين التمر وعليها عامل للحجاج بن يوسف ، وكان العامل يغدّي كل يوم ويعشّي ، فوقف ابن القرية ببابه فرأى الناس يدخلون فقال : أين يدخل هؤلاء ؟ فقالوا : إلى طعام الأمير ، فدخل فتغدى وقال : أكلّ يوم يصنع الأمير ما أرى ؟ فقيل : نعم ، فكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء ، إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل ، وهو عربي غريب لا يدري ما هو ، فأخّر لذلك طعامه ، فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى ، فقال : ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم ؟ فقالوا : اغتمّ لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو ، قال : ليقرئني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء اللّه تعالى ، وكان خطيبا لسنا بليغا ، فذكر ذلك للوالي فدعا به فلما قرىء عليه الكتاب عرف الكلام وفسّره للوالي حتى عرّفه جميع ما فيه فقال له : أفتقدر على جوابه ؟ قال : لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عند كاتب يكتب ما أمليه ، ففعل ، فكتب جواب الكتاب ، فلما قرىء الكتاب على الحجاج رأى كلاما عربيّا غريبا ، فعلم أنه ليس من كلام كتّاب الخراج ، فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ابن القرّيّة ، فكتب الحجاج إلى العامل « أما بعد ، فقد أتاني كتابك بعيدا من جوابك بمنطق غيرك ، فإذا نظرت في كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث إليّ بالرجل الذي صدّر لك الكتاب ، والسلام » . قال : فقرأ العامل الكتاب على ابن القرّيّة وقال له : تتوجه نحوه ؟ فقال : أقلني ، قال : لا بأس عليك ، وأمر له بكسوة ونفقة وحمله إلى الحجاج . فلما دخل عليه قال : ما اسمك ؟ قال : أيوب ، قال : اسم نبي وأظنك أميّا تحاول البلاغة ولا يستصعب عليك المقال ، وأمر له بنزل ومنزل ، فلم يزل يزداد به عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن مروان ، فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة بعثه