وإنما قيل له « المتنبي » لأنه ادعى النبوة في بادية السّماوة ، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلا ثم استتابه وأطلقه 15 ، وقيل غير ذلك ، وهذا أصح ، وقيل : إنه قال : أنا أول من تنبأ بالشعر .
ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلاثمائة ، ومدح كافورا الإخشيدي وأنوجور ابن الإخشيد ، وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق ، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلاثمائة ، ووجه كافور خلفه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق ، وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله ، فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خافه ، وعوتب فيه فقال : يا قوم ، من ادّعى النبوة بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أما يدعي المملكة مع كافور ؟ فحسبكم .
قال أبو الفتح ابن جني النحوي : كنت قرأت ديوان أبي الطيب المتنبي عليه ، فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها :
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب * وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
حتى بلغت إلى قوله :
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة * ولا أشتكي فيها ولا أتعتّب
وبي ما يذود الشعر عني أقلّه * ولكنّ قلبي يا ابنة القوم قلّب
فقلت له : يعز علي ، كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة ؟
فقال : حذرناه وأنذرناه فما نفع ، ألست القائل فيه :
أخا الجود ، أعط الناس ما أنت مالك * ولا تعطينّ الناس ما أنا قائل
فهو الذي أعطاني كافورا بسوء تدبيره وقلة تمييزه .
وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته ، فوقع