والحق - تبارك وتعالى - لما تكلّم هنا عن المنافقين خَصَّ المدينة ، فقال سبحانه { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة . . . } [ الأحزاب : 60 ] فالنفاق لم يظهر في مكة ، وهي مَعْقل الكفر والأصنام ، إنما ظهر في المدينة ، وهي التي آوَتْ مهاجري رسول الله ، وكان غالبية أهلها من أهل الكتاب ، وهم أقرب إلى الإيمان من الكفار ، فلماذا هذه الظاهرة ؟
قالوا : إن الإسلام كان ضعيفاً في مكة ، وصار قوياً في المدينة ، فالنفاق ظاهرة صحية للإسلام ؛ لأنه لولا قوته ما نافقه المنافقون ، فظهور النفاق في المدينة دليل على قوة الإسلام فيها ، وأنه صارت له شوكة ، وصارت له سطوة ؛ لذلك نافق ضعافُ الإيمان ؛ ليأخذوا خير الإسلام ، وليحتموا بحماه ، وإلا فالضعيفُ لا يُنَافَق .
نعم ، ظهر النفاق في المدينة التي قال الله في حق أهلها : { والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . } [ الحشر : 9 ] .
ويقول عنها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحْرها » .
تفسير الشعراوي — صفحة 12172
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٧٢