فالحق سبحانه يأتي بالمخفَّف في أشياء ، ثم يأتي بالمثقّل ؛ ليعلم القوم أن الله تعالى بدأ رسوله بالعطف والرحمة والحنان ، ويُبيِّن فضله عليه ، كما قال له سبحانه { عَفَا الله عَنكَ . . . } [ التوبة : 43 ] قبل أنْ يعاتبه بقوله : { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ . . . } [ التوبة : 43 ] .
وهذه الآية { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ . . . } [ الأحزاب : 52 ] توضح أنْ ما شُرِع لرسول الله في مسألة تعدُّد الزوجات غير ما شُرِع لأمته ، فرسول الله استثناه الله تعالى في المعدود لا في العدد ، والفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود أن العدد يُدَار في أشياء متعددة ، فلو أنه أباح له عدد تسع ثم تُوفِّين لَكَان له أن يتزوج بتسع أُخَر ، وإنْ ماتت واحدة منهن له أن يتزوج بواحدة بدلاً منها .
لكن الاستثناء لم يكُنْ لرسول الله في العدد كأمته ، إنما في المعدود ، بحيث يقتصر على هؤلاء بخصوصهن ، والحكمة في ذلك أن التي يفارقها زوجها من عامة نساء المؤمنين لها أنْ تتزوج بغيره ، على خلاف زوجات رسول الله ، فإنهن أمهات للمؤمنين ، فلا يحل لهُنَّ الزواج بعد رسول الله .
ثم أوضحنا أن مسألة مِلْك اليمين ليستْ سُبَّة في جبين الإسلام ، إنما هي ميزة من ميزاته ، فالله مَلَك الرقبة ليحميها من القتل ، والمقارنة هنا ليستْ بين رق وحرية ، إنما بين رق وقتل كما أوضحنا ، والذي يتأمل حال المملوك أو المملوكة في ظل الإسلام لا يسعه إلا الاعتراف بحكمة الشرع في هذه المسألة .
تفسير الشعراوي — صفحة 12118
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١١٨