أولاً من الدهن ، ثم من اللحم ، ثم من العظم ؛ لذلك قلنا : إن العظم هو آخر مخازن القوت في جسم الإنسان ، وفي ضوء ذلك نفهم قول سيدنا زكريا : { إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي } [ مريم : 4 ]
يعني : قد بلغتُ آخر مرحلة من مراحل استبقاء الحياة .
فكان من رحمة الله بالخَلْق أنْ جعل حتى شَرَه الإنسان للطعام والشراب رحمة به ، حيث يتحول الزائد عن طاقته وحاجته إلى مخزون في جسمه ، فإذا انقطعتْ به السُّبُل أو تعذَّر عليه الطعام والشراب استمد مما في جسمه .
كذلك من رحمة الله بالإنسان أنْ جعله يصبر على الطعام إلى شهر ، ويصبر على الماء من ثلاثة أيام إلى عشرة بحسب ما في جسمه من مخزون الطعام والشراب ، اما الهواء فلا يصبر عليه إلا بمقدار شهيق وزفير ؛ لذلك تتجلى رحمته تعالى وحكمته في خَلْقه بألاَّ يُملِّك الهواء لأحد ، فلو مَلكه عدوك لمتّ قبل أن يرضى عنك .
وقوله : { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } [ لقمان : 10 ] بث أي : نشر ، والدابة : كل ما له دبيب على الأرض ، والدبيب بحسب ما يدبّ على الأرض ، وكل ما يمشي على الأرض له دبيب نسمعه في الحيوان الضخم مثلاً ، لكن لا نسمعه في النملة مثلاً ، فهي أيضاً لها دبيب بدليل قولنا : فلان يسمع دبّة النملة ، إذن : لها دبيب على الأرض ، لكن أذن مَنْ التي تستطيع أنْ تسمعه ؟
وقوله تعالى : { مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } [ لقمان : 10 ] كل تعني سوراً كلياً يضم كل ما له حركة ودبيب على الأرض ، يعني : كل ما يقال له دابة بداية من النملة أو الفيروسات الآن إلى أكبر حيوان على الأرض .
وقوله ( من ) تتدرج من الصغير إلى الكبير فتدلُّ على الشمول .
تفسير الشعراوي — صفحة 11602
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٠٢