بها ، وتروْنَها ليل نهار ، كما قال سبحانه : { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ الصافات : 137 - 138 ]
ثم يقول سبحانه : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } [ السجدة : 26 ] فالله يحضُّهم على أنْ يستمعوا إلى سِيَر المكذِّبين المعاندين ، وما حاق بهم من انتقام الله منهم .
وبالله : الإنسان مهما قَصُر عمره ، ألم يَرَ ظالماً ، وألم يَرَ مصرع هذا الظالم وعاقبة ظلمه ، فإنْ لم يَرَ ظالماً ألم يُحدَّث عنه ؟ إذن : مما يصلح حال الناس أنْ يستمعوا إلى حكايات عن الظالمين وعن نهايتهم ، وما ينزل بهم من الانتقام الذي لا ينتظر الآخرة ، بل يُعَجِّل لهم في الدنيا .
وفي ذلك حكمة لله بالغة ؛ لأن الظالم ربما لا يرعوى ولا يرجع في الدنيا عن ظلمه ، فيظل يُعربد في الخَلْق ما أحياه الله ، لكن إنْ مسَّه شيء من العذاب ، فلربما عاد إلى رُشْده ، وإن لم يَعُدْ كان عبرة لغيره .
لذلك قال أهل المعرفة : لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه . وربما مَنْ رآه ظالماً يراه مظلوماً ، ومَنْ أراد أن يرى نهاية ظالم فلينظر إلى مصارع الظالمين قبله .
وتأمل قول ربك : { وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً . . . } [ الأنعام : 129 ] فكأن الظالم له رسالة ، هي أن ينتقم من ظالم مثله ، وهكذا يُهلك الله هؤلاء بعضهم ببعض ؛ لأن الخيِّر طيِّب القلب لا يؤدب ظالماً ، فإن اعتديتَ عليه غلب عليه طابع التسامح والعفو .
ألم يَقُلْ سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لكفار مكة : « اذهبوا فأنتم
تفسير الشعراوي — صفحة 11865
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٦٥